الرائدات وهيكلية العمل النقابي.. كيف رسخت المرأة حضورها في مهنة المحاماة؟
لم يكن رداء المحاماة الأسود للمرأة السورية مجرد مهنة، بل كان منذ ثلاثينيات القرن الماضي أداة نضالية لانتزاع الحقوق وصناعة التغيير المجتمعي. اليوم، يشكل تأسيس وتفعيل "لجنة المرأة المحامية" في نقابة المحامين السوريين المحرك الأساسي لحراك حقوقي واسع تقوده نخبة من الحقوقيات من مختلف المحافظات. وفي هذا التقرير التوثيقي الممتد على جزأين، نفتح ملف مسيرة المحامية السورية؛ لنستعرض في الجزء الأول مسيرة الرائدات وهيكلية العمل النقابي المركزي، ونرصد في الجزء الثاني شهادات حية من الميدان تعكس تطلعات التمكين في الفروع.
شكّل تأسيس "لجنة المرأة المحامية" في نقابة المحامين السوريين نقطة تحوّل جوهرية في تاريخ العمل النقابي؛ فبعد أن ظلّت هذه اللجنة لسنوات طويلة مجرد حبر على ورق، دُبّت فيها الحياة لتصبح الإطار التنظيمي والمحرك الأساسي الذي يجمع الحقوقيات السوريات لتوثيق مسيرتهن وصياغة تطلعاتهن. يقود هذه اللجنة هيكل إداري رفيع المستوى برئاسة الأستاذة رهادة عبدوش، وعضوية الدكتورة سميرة الوتار، التي تشغل أيضاً منصب رئيسة تحرير مجلة "المحامون"، إلى جانب كوكبة من المحاميات العضوات في النقابة، لتبدأ اللجنة أولى خطواتها في مأسسة العمل النسائي وتحويله إلى قوة فاعلة داخل أروقة القضاء والمجتمع.
من التأسيس إلى "الكتلة الحرجة"
لم يكن وصول المرأة إلى مجالس صنع القرار النقابي وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لمسيرة بدأها الرعيل الأول من المحاميات في ثلاثينيات القرن الماضي، حين كسرت النساء الحواجز الاجتماعية ودخلن مهنة كانت حكراً على الرجال.
كانت الأستاذة بوران طرزي أول محامية سورية تنتسب إلى النقابة في 27 شباط/فبراير 1938، تلتها الأستاذة فاطمة مراد في 25 أيلول/سبتمبر 1939، ثم الأستاذة ملك كبارة عام 1946، والأستاذة هرمز النابلسي عام 1949، لتؤسس هذه الأسماء الرائدة لمسار طويل من الحضور النسائي في العمل القانوني والحقوقي.
واليوم، تحوّل ذلك الحضور الفردي إلى كتلة مؤثرة داخل الجسم النقابي؛ إذ تمثل المحاميات أكثر من ثلث المنتسبين إلى نقابة المحامين السوريين في مختلف الفروع. وللمرة الأولى في تاريخ سوريا، انعكس هذا الثقل العددي على مستوى التمثيل النقابي، فضم مجلس النقابة المركزية ثلاث محاميات من أصل أحد عشر عضواً، إضافة إلى وجود مقعد لمحامية ضمن مجلس كل فرع من فروع النقابة.
قوة ضاغطة ومناصرة للعدالة
تؤكد الأستاذة رهادة عبدوش أن وجود المحاميات اليوم يشكل قوة ضغط إيجابية للتذكير الدائم بالحقوق، والعمل على مراجعة التشريعات التمييزية وتطويرها، بما يشمل قوانين الأحوال الشخصية والعقوبات والعمل، لتكون أكثر انسجاماً مع متطلبات الحياة المعاصرة ومبادئ العدالة والمساواة.
وتستحضر الذاكرة الحقوقية السورية أدوار محاميات رائدات خضن العمل الإنساني والسياسي في ظروف معقدة، إذ واصلت المرأة السورية حضورها الحقوقي رغم تراجع فاعلية المؤسسات النقابية خلال عقود الاستبداد. كما سجلت العديد من المحاميات مواقف بارزة في الدفاع عن المعتقلين وتقديم المساندة القانونية المجانية للمتضررين.
ومع التحولات التي شهدتها البلاد في مرحلة ما بعد التحرير، انخرطت المحاميات بصورة أوسع في اللجان النقابية المركزية، بما فيها لجان صناعة القرار والطعون ودراسة القوانين، فضلاً عن لجان إعادة الاعتبار للمحامين المشطوبين تعسفياً ومحاسبة منتهكي أخلاقيات المهنة. وفي هذه الملفات، برزت كفاءة المرأة في أعمال التوثيق والمتابعة والاستماع القانوني وصياغة المقترحات.
نحو مساواة أوسع وتمكين مستدام
ترى قيادة لجنة المرأة المحامية أن ما تحقق حتى اليوم يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يزال بداية لمسار أطول نحو تحقيق المساواة الكاملة داخل المهنة وفي المجتمع. ولذلك، تدعو اللجنة إلى تبني سياسات داعمة للمرأة، وتعزيز حضورها في مواقع صنع القرار، وتوفير بيئة مهنية تساعدها على التوفيق بين مسؤولياتها الأسرية والمهنية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه المحامية السورية تثبيت حضورها داخل المؤسسات النقابية والقضائية، تبدو التجربة مرشحة لمزيد من التطور مع اتساع دائرة المشاركة النسائية، وتحولها من مجرد حضور مهني إلى شريك فاعل في صياغة السياسات القانونية والدفاع عن قيم المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
يتبع في الجزء الثاني: من الميدان إلى التمكين.. محاميات المحافظات يواجهن تحديات الواقع ويرسمن ملامح المستقبل.