شهدت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً موجة واسعة من الجدل والتفاعل المتباين بعد الإعلان المفاجئ للمدربة والمستشارة العربية المعروفة، فرح القدسي، عن اعتزالها التام لعالم اليوجا وإغلاق مدرستها الشهيرة "نامستاي زون"، عقب مسيرة حافلة امتدت لأكثر من خمسة عشر عاماً نجحت خلالها في تدريب وتخريج أكثر من 150 مدربة في هذا المجال. ولم يكن الحدث مجرد قرار غياب عادي، بل تحول إلى قضية رأي عام ومراجعة فكرية عميقة بعد أن خرجت القدسي بسلسلة من التصريحات والاعترافات التي ضربت في عمق التخصص الذي قضت شطراً من عمرها في ترويجه، معلنةً بكل وضوح أنها تدرك تماماً أن هذه الشهادة تأتي على النقيض من تاريخها المهني ومصالحها الشخصية، لكنها اعتبرتها واجباً أخلاقياً وعقائدياً لا يمكنها الصمت عنه.
تنطلق القدسي في سرديتها الجديدة من موقع الخبيرة الـمُجرِّبة التي درست اليوجا في مهدها بالهند على أيدي كبار الأساتذة، وتعمقت في مدارسها المختلفة كـ "الهاتا" و"الكنداليني" وتقنيات التنفس والتأمل، لتصل في النهاية إلى قناعة حاسمة بأن اليوجا ليست مجرد رياضة بدنية كما يُشاع في الغرب والعالم العربي، بل هي طقس عقائدي وثني مستمد من الديانات الشرقية القديمة. وترى المدربة المعتزلة أن الحركات والوضعيات الجسدية المعروفة بالـ "آسانا" ليست تمارين رياضية بريئة، بل هي في أصلها الفلسفي تعبير عن الخضوع والاسترضاء وتقديم القرابين لرموز وحكماء الميثولوجيا الهندوسية، معتبرة من وجهة نظرها العقائدية الإسلامية أن هؤلاء "الحكماء القدامى" في الفلسفات الشرقية ما هم إلا تجليات للشياطين التي تستدرج الإنسان بعيداً عن التوحيد الخالص، مستشهدة بوضعيات محددة مثل وضعية الحكيم "ماريشي" التي ترى فيها نموذجاً تاماً لطقوس التذلل والخضوع لغير الله، وهو ما دفعها للمطالبة بتجريم هذه الممارسات في العالم الإسلامي وعدم الانجراف وراء المناسبات العالمية المحتفية بها.
حظيت هذه الاعترافات باهتمام استثنائي ومتابعة قياسية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انقسم المتابعون بين مؤيد يرى في شجاعتها ومراجعتها الذاتية نموذجاً يُحتذى به لتقديم العقيدة على المكاسب المادية والشهرة، وبين منتقد يرى في تصريحاتها تهويلاً ومبالغة وتضييقاً على نشاط بدني وصحي يمارسه الملايين حول العالم كأداة للاسترخاء وتحسين المرونة الجسدية. غير أن القيمة الحقيقية لخطوتها، من وجهة النظر التي دفعتها للاعتراف، تكمن في الجرأة على هدم ما بنته طوال سنوات عندما تيقنت -بحسب رؤيتها- من عدم توافقه مع ثوابتها الدينية، محولةً تجربتها الشخصية من قصة نجاح تجاري إلى قضية وعي ومراجعة فكرية ترتكز على مبدأ "أمانة الكلمة" وتقديم ما تراه حقاً على حساب المصلحة الفردية.
ومن الناحية الموضوعية والتاريخية لمن لا يعرف خلفيات هذه القضية، فإن اليوجا تعيش اليوم حالة من انفصام الهوية بين أصلها الفلسفي النسكي وبين صورتها الغربية المعاصرة. فمن جهة التاريخ، لم تنشأ اليوجا كديانة مستقلة ذات شريعة وكتاب، بل كمنظومة فلسفية روحية وتأملية نشأت في شبه القارة الهندية منذ آلاف السنين، وارتبطت عضوياً وبنيوياً بالديانات الشرقية الكبرى كالهندوسية والبوذية والجاينية، وتستهدف نصوصها التأسيسية الكلاسيكية دمج الوعي الفردي بالوعي الكوني الشامل، وهو مفهوم يتصادم جوهرياً مع عقيدة التوحيد الإسلامية .
وفي المقابل، قام الغرب في العقود الأخيرة بتجريد اليوجا من أبعادها الطقسية والروحية، وأعاد تقديمها كتمارين رياضية للتمدد والتحكم في التنفس، وهو الشق البدني الذي لا يرى فيه الطب الرياضي عيباً صحياً بل يعتبره مفيداً لعضلات الجسم والمفاصل إذا مُرس تحت إشراف مختص لتجنب الإصابات العضلية العادية، مما يترك المتلقي العربي اليوم أمام خيارين: إما النظر إليها كمنظومة فلسفية شرقية متكاملة لا يمكن فصل جسدها عن روحها العقائدية، أو التعامل معها كمجرد حركات بدنية سويدية معزولة تماماً عن مهدها التاريخي وطقوسها التأملية القديمة.