أين تنتهي المحاسبة وتبدأ حرية التعبير؟ «القدس العربي» تفتح ملف تجريم «الأسدية» في سوريا.. بين مقتضيات العدالة الانتقالية وضمانات دولة القانون

الأحد, 12 يوليو - 2026
صورة للمخلوع بشار الأسد
صورة للمخلوع بشار الأسد


دمشق ـ «القدس العربي»: تشهد الساحة السورية نقاشا قانونيا وسياسيا متصاعدا حول مستقبل العدالة الانتقالية، مع تزايد الدعوات إلى تجريم «الأسدية» بوصفها منظومة حكم ارتبطت، بحسب مؤيدي هذا الطرح، بعقود من الاستبداد والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. ويثير هذا التوجه إشكاليات قانونية ودستورية تتعلق بحدود تجريم الأفكار، ومدى اتساق ذلك مع مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، وضمانات حرية الرأي والتعبير، فضلا عن كيفية تحقيق العدالة من دون الانزلاق إلى المسؤولية الجماعية أو الانتقام السياسي.
ويأتي هذا الجدل في مرحلة انتقالية تسعى فيها سوريا إلى بناء مؤسسات جديدة وتفعيل مسار العدالة الانتقالية، بما يشمل كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم. وفي هذا السياق، يبرز التساؤل حول ما إذا كان تجريم تمجيد النظام السابق أو إنكار الجرائم المرتكبة خلال فترة حكمه يمثل جزءا أساسيا من هذا المسار، أم أن الأولوية ينبغي أن تظل للمحاسبة الجنائية الفردية لمن تثبت مسؤوليتهم عن الجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة.
كما يطرح النقاش الحاجة إلى صياغة إطار قانوني دقيق يميز بين حرية التعبير المشروعة وبين التحريض على العنف أو الكراهية أو تمجيد الجرائم، مع وضع ضمانات دستورية وقضائية تمنع إساءة استخدام التشريع في تصفية الخصومات السياسية أو استهداف فئات اجتماعية معينة. وفي ظل ذلك، تبرز أهمية الاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية في دول مثل ألمانيا وجنوب أفريقيا ورواندا، بما يساعد على تحقيق التوازن بين المحاسبة والمصالحة الوطنية.
وفي ظل هذه التعقيدات، يفتح الجدل الدائر الباب أمام جملة من التساؤلات القانونية والدستورية، تتعلق بكيفية المواءمة بين مقتضيات العدالة الانتقالية وضمانات دولة القانون، وحدود تجريم «الأسدية» وتمجيد النظام السابق أو إنكار جرائمه، وأولوية المحاسبة الجنائية الفردية، والضمانات الكفيلة بمنع إساءة استخدام التشريع، فضلا عن مدى أولوية هذا المسار في ظل تحديات إعادة بناء الدولة السورية.
الأسدية بين المفهوم السياسي والتوصيف القانوني: من فكرة عامة إلى أفعال قابلة للمساءلة
وفي لقاء لـ«القدس العربي» مع مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، اعتبر أن النقاش حول تجريم «الأسدية» ينبغي أن ينطلق من المبادئ الأساسية للقانون الجنائي، موضحا أنه لا يجوز قانونا تجريم «الأسدية» بوصفها فكرة مجردة أو اعتقادا سياسيا عاما، لأن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، المنصوص عليه في المادة (15) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، يفرض أن يكون الفعل المجرّم محدداً مسبقاً بصورة واضحة وقابلة للتوقع، بحيث يستطيع كل فرد أن يعلم على نحو معقول ما هو السلوك الذي يرتب مسؤولية جنائية.
وأشار إلى أن المادة (49) من الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 آذار/مارس 2025 نصّت على تجريم تمجيد نظام الأسد السابق ورموزه، وإنكار الجرائم التي ارتكبها أو مدحها أو تبريرها أو التقليل من شأنها، إلا أن هذا النص، بحسب عبد الغني، يقرر المبدأ الدستوري العام، ولا يتضمن بمفرده تعريفا تفصيليا لأركان الجريمة، أو القصد الجنائي المطلوب، أو العقوبات المقررة، أو الاستثناءات التي تحمي التعبير المشروع.
المادة 49 وتجريم التمجيد
تنص الفقرة الثالثة من المادة 49 من الإعلان الدستوري الجديد على «تجرم الدولة تمجيد نظام الأسد البائد ورموزه، ويُعد إنكار جرائمه أو الإشادة بها أو تبريرها أو التهوين منها، جرائم يُعاقب عليها القانون».
كما تنص الفقرة الأولى من المادة، على إحداث «هيئة لتحقيق العدالة الانتقالية تعتمد آليات فاعلة تشاورية مرتكزة على الضحايا، لتحديد سبل المساءلة، والحق في معرفة الحقيقة، وإنصاف للضحايا والناجين، إضافة إلى تكريم الشهداء».
مصطلح الأسدية
مصطلح «الأسدية» وصف سياسي واسع وفضفاض برأي المتحدث، لذلك فإنه لا بد لأي تشريع لاحق أن يحول «الأسدية» إلى أفعال قانونية محددة يمكن مساءلة مرتكبيها. وبيّن أن ذلك قد يشمل إعادة تأسيس الأجهزة أو التنظيمات القمعية التابعة للنظام السابق، أو إنشاء تنظيمات وريثة لها متى كان هدفها إعادة الحكم الاستبدادي أو ممارسة العنف أو ترهيب الضحايا، إضافة إلى تمويل تنظيم محظور قضائيا، أو قيادته، أو تجنيد أفراد لصالحه، متى ثبت ارتباطه المنهجي بارتكاب الجرائم الدولية أو سعيه العنيف لإعادة المنظومة السابقة.
وأضاف أن نطاق التجريم يمكن أن يمتد أيضا إلى الاستخدام العلني والمقصود لرموز النظام السابق عندما يكون الغرض منها التحريض على العنف أو الاضطهاد، أو ترويع الضحايا، أو التجنيد، أو جمع التمويل، أو الدعوة إلى إعادة بناء الأجهزة التي ارتبطت بارتكاب الجرائم. كما يمكن أن يشمل إنكار الجرائم أو تمجيدها في حالات يكون فيها التعبير علنيا ومقصودا ويرتبط بخطر فعلي، كأن يتضمن التحريض على تكرار الجرائم، أو تهديد الضحايا والشهود، أو عرقلة سير العدالة، أو الترويج لتنظيم إجرامي محظور.
ولفت عبد الغني إلى أن التحريض على الكراهية أو العنف أو التمييز ضد جماعة وطنية أو دينية أو إثنية يظل خاضعا للمادة (20) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، موضحا أن تقييم مثل هذه الحالات يمكن أن يستند إلى اختبار «خطة عمل الرباط»، الذي يعتمد على دراسة السياق، ومكانة المتحدث، والقصد، ومضمون الخطاب وشكله، ومدى انتشاره، واحتمال وقوع الضرر وقربه، مع التأكيد على أن العقوبات الجنائية يجب أن تبقى الخيار الأخير، ولا يلجأ إليها إلا في الحالات الأكثر خطورة.
العدالة الانتقالية لا تعني المسؤولية الجماعية: الجرائم تحاسب بالأفعال لا بالانتماءات
وحول موقع تجريم تمجيد النظام السابق أو إنكار جرائمه ضمن منظومة العدالة الانتقالية، شدد عبد الغني على أن الأولوية يجب أن تبقى للمحاسبة الجنائية الفردية عن الجرائم، لا لتجريم هوية أيديولوجية عامة أو فضفاضة. وأوضح أن العدالة الانتقالية تقوم على التحقيق مع كل شخص وفق دوره وأفعاله ومسؤوليته الفردية، سواء كان رئيس دولة، أو قائدا عسكريا، أو مسؤولا أمنيا، أو مدير سجن، أو قاضيا، أو عضوا في ميليشيا، مع إثبات مساهمته الشخصية في الجريمة أو إصدار الأوامر بارتكابها أو المساعدة عليها أو تحمله المسؤولية القيادية عنها.
القانون الجنائي الدولي يرفض وفقا للمتحدث فكرة المسؤولية الجماعية، ولذلك لا يجوز أن تمتد المسؤولية عن جرائم النظام السابق إلى كل من عمل في مؤسسات الدولة، أو انتمى سابقا إلى حزب البعث، أو ينتمي إلى بيئة اجتماعية أو طائفية معينة، لأن المسؤولية الجنائية تظل مسؤولية شخصية تستند إلى أفعال مثبتة وأدلة قانونية.
الضمانات الدستورية والقضائية: استقلال القضاء شرط لمنع الانتقام السياسي
وفي ما يتعلق بالضمانات الدستورية، أوضح عبد الغني أن أي قانون يتناول هذه المسألة يجب أن يلتزم بمبادئ الشرعية، والمساواة أمام القانون، والمحاكمة العادلة، والحق في الطعن، وحرية الرأي والتعبير، وعدم التمييز، وهي مبادئ يكفلها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ويضمن الإعلان الدستوري السوري في مادته الثالثة عشرة حرية الرأي والتعبير، وينص في المادة السابعة عشرة على أن العقوبة شخصية، وأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص، وأن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي مبرم، فضلاً عن حظر إنشاء المحاكم الاستثنائية بموجب المادة الرابعة والأربعين.
وأضاف أن أول وأهم الضمانات يتمثل في التعريف القانوني الدقيق للأفعال المجرّمة، بحيث يجري تعريف كل فعل على حدة، سواء تعلق بالتمجيد، أو الإنكار، أو التحريض، أو استخدام الرموز، أو إعادة تشكيل التنظيمات المحظورة، مع تجنب استخدام عبارات سياسية عامة وغير منضبطة مثل «الإساءة إلى الثورة» أو «الترويج للفكر الأسدي» أو «إضعاف الروح الوطنية»، لأنها تفتقر إلى الدقة القانونية، وقد تفتح الباب أمام تفسيرات واسعة وتطبيقات انتقائية.
فالضمانات القانونية لا تقتصر على التعريف الدقيق للأفعال المجرّمة، بل «تمتد أيضا إلى ضرورة إثبات القصد الجنائي»، موضحاً أنه ينبغي على جهة الاتهام أن تثبت أن المتهم قصد فعلا التحريض، أو الترويج لتنظيم محظور، أو ترويع الضحايا، أو تبرير الجريمة. وأضاف أن الخطأ أو الإهمال، أو مجرد النقل الصحافي، أو الاقتباس في سياق أكاديمي أو بحثي، لا يكفي لقيام المسؤولية الجنائية».
ومن الضمانات الأساسية كذلك «اشتراط العلنية ووجود ضرر قانوني حقيقي، بحيث يكون السلوك المرتكب قد وقع بصورة علنية، وأن تقوم علاقة واضحة بينه وبين ضرر قانوني محدد أو خطر جدي، لا أن تستند الملاحقة إلى مجرد شعور عام بالإهانة أو الاستياء».
كما أنه لا بد أن يكون الاختصاص في مثل هذه القضايا بيد قضاء مستقل، مبينا أن «حظر أي حزب أو جمعية أو تنظيم يجب أن يصدر عن محكمة مستقلة تستند إلى أدلة قانونية، وليس بقرار إداري صادر عن وزارة الداخلية أو أي جهاز أمني، مع ضرورة أن يكون القرار القضائي مسببا، وقابلا للطعن، وخاضعا للمراجعة القضائية الدورية».
حدود التعبير أمام اختبار التجريم: متى يتحول الخطاب إلى جريمة؟
وأضاف أن من المبادئ الأساسية أيضا عدم تطبيق القانون بأثر رجعي، موضحا أنه لا يجوز تجريم أفعال تتعلق بتمجيد النظام السابق أو استخدام رموزه إذا كانت قد ارتكبت قبل صدور القانون، كما لا يجوز فرض عقوبات أشد على أفعال سابقة استنادا إلى تشريع لاحق.
وأكد عبد الغني أن أي قانون يجب أن يتضمن ضمانات صريحة تمنع التمييز، بحيث يحظر مساءلة الأشخاص بسبب انتمائهم الطائفي أو المناطقي أو العائلي أو الحزبي السابق، كما لا يجوز افتراض المسؤولية الجنائية لمجرد الانتماء إلى الطائفة العلوية، أو العمل سابقا في إحدى مؤسسات الدولة، أو وجود صلة قرابة مع مسؤول سابق.
كما اعتبر أن استقلال النيابة العامة والسلطة القضائية يشكل ضمانة جوهرية لسلامة تطبيق أي تشريع، محذرا من أن غياب نيابة مستقلة وقضاء غير خاضع للسلطة التنفيذية سيجعل حتى أفضل الصياغات القانونية عرضة للتطبيق الانتقائي أو التسييس. كما أن الشفافية تمثل ركنا أساسيا في هذا الإطار، إذ ينبغي نشر قرارات الاتهام والأحكام والتفسيرات القضائية، وإتاحة الرقابة من قبل المؤسسات الحقوقية ووسائل الإعلام، مع ضمان حماية بيانات الضحايا والشهود.
وفي ما يتعلق بالعقوبات، يرى مدير الشبكة السوري لحقوق الإنسان أنه من الضروري مراعاة مبدأ التناسب، معتبرا أن العقوبة الجنائية، ولا سيما السجن، يجب ألا تكون الرد التلقائي على كل تعبير غير مشروع، وأنه يمكن اللجوء، في كثير من الحالات، إلى وسائل أقل تقييدا للحقوق، مثل التدابير المدنية والإدارية، أو حق الرد والتصحيح، أو إزالة المحتوى المخالف، أو فرض غرامات متناسبة، قبل اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية.
تجارب ألمانيا وجنوب أفريقيا ورواندا: دروس العدالة الانتقالية
وعن التجارب الدولية، أوضح عبد الغني أن التجربة الألمانية تبين أن ألمانيا لا تجرّم كل رأي يرتبط بالنازية، ولا تعتمد قانونا واحدا تحت عنوان «حظر النازية»، وإنما تقوم منظومتها القانونية على مجموعة من الآليات المتكاملة. وأشار إلى أن المادة (21) من القانون الأساسي الألماني تمنح المحكمة الدستورية الاتحادية وحدها صلاحية حظر الأحزاب التي تسعى إلى تقويض النظام الديمقراطي الحر أو إزالته، بينما تجرّم المادتان (86) و(86أ) من قانون العقوبات نشر دعاية التنظيمات المحظورة واستخدام رموزها بصورة علنية، بما يشمل الأعلام والشعارات والتحيات والزي، مع النص في الوقت ذاته على استثناءات واضحة للأعمال الفنية، والبحث العلمي، والتعليم، والتوثيق التاريخي، والأنشطة المدنية. وأضاف أن المادة (130) من قانون العقوبات تتناول التحريض، وإنكار جرائم النازية أو التقليل من شأنها، وتمجيد الحكم النازي، في إطار يرتبط بحماية السلم العام وكرامة الضحايا.
وفي ما يتعلق بجنوب أفريقيا، أوضح أن قانون تعزيز الوحدة الوطنية والمصالحة رقم (34) لعام 1995 أنشأ لجنة الحقيقة والمصالحة، وربط منح العفو بالكشف الكامل عن الوقائع، وبوجود صلة سياسية بالفعل المرتكب، من دون أن يمنح عفوا جماعيا أو تلقائيا لجميع مرتكبي الانتهاكات. كما قبلت المحكمة هذا النظام باعتباره جزءا من تسوية دستورية انتقالية استثنائية هدفت إلى كشف الحقيقة وتيسير عملية الانتقال.
أما بالنسبة للدرس المستفاد لسوريا فإنه لا يكمن في تبني عفو واسع، لأن البلاد شهدت جرائم دولية واسعة النطاق، إلى جانب التعذيب والإخفاء القسري اللذين ما تزال آثارهما مستمرة، وبالتالي لا يجوز أن تتحول المصالحة الوطنية إلى بديل عن المحاسبة القانونية.
أما في رواندا، فأشار إلى أن القانون رقم (59) لعام 2018 بشأن جريمة أيديولوجيا الإبادة والجرائم المرتبطة بها يجرّم أفعالا محددة، من بينها إنكار الإبادة الجماعية، أو التقليل المتعمد من شأنها، أو تبريرها، أو تمجيدها، كما يتضمن تعريفات قانونية واضحة لمفهومي العلنية والقصد، ولعدد من الأفعال المرتبطة بما يُعرف بأيديولوجيا الإبادة، وهو ما يعكس، بحسب عبد الغني، أهمية الاعتماد على تعريفات قانونية دقيقة بدلاً من المفاهيم السياسية العامة.
سوريا أمام اختبار المرحلة الانتقالية: بين محاسبة الماضي وبناء دولة القانون
تكشف التجارب الدولية أن نجاح العدالة الانتقالية لا يرتبط فقط بسن قوانين تجرّم بعض الأفعال، بل بقدرة المؤسسات على تطبيقها ضمن إطار يحترم سيادة القانون ويضمن استقلال القضاء وعدم التمييز. وفي الحالة السورية، يبقى التحدي الأساسي هو تحقيق التوازن بين إنصاف الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم الجسيمة، وبين حماية الحقوق والحريات ومنع تحول العدالة إلى أداة للإقصاء أو الانتقام. ومن ثم، فإن أي مقاربة لتجريم «الأسدية» ستظل مرتبطة بمدى دقة التعريفات القانونية، ووضوح الأفعال المجرّمة، ووجود مؤسسات قادرة على تطبيق القانون بعدالة وشفافية