ثلاثون مقاتلاً شكلوا نواة مجموعات مسلحة، وخمس وسبعون ضحية سقطوا في واقعة واحدة، وخمس جلسات قضائية كانت كافية لكشف خمسة عشر عاماً من النفوذ والسلاح.
بهذه المعادلة الرقمية، أسدلت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، يوم الثلاثاء، الستار على محاكمة وسيم الأسد، بإصدار حكم يقضي بإعدامه ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، بعد إدانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في واحدة من أبرز القضايا التي ينظر فيها القضاء السوري ضمن مسار العدالة الانتقالية.
ويأتي الحكم بعد سلسلة من الجلسات القضائية التي بدأت في الـ 24 من حزيران الماضي، وشهدت تلاوة لائحة الاتهام، والاستماع إلى شهود الحق العام، وعرض وثائق وصور وتسجيلات مرتبطة بالملف، إلى جانب تقديم الدفاع مذكرته ومرافعاته، قبل أن ترفع المحكمة أوراق الدعوى للتدقيق وتحدد 18 آب موعداً للنطق بالحكم.
من نفوذ العائلة إلى قيادة مجموعات مسلحة
وُلد وسيم بديع الأسد عام 1980 في القرداحة بريف اللاذقية، وهو ابن عم رأس النظام البائد، واستفاد خلال عهده من موقعه داخل شبكة النفوذ المرتبطة بالعائلة، قبل أن يظهر اسمه مع اندلاع الثورة السورية عام 2011 في سياق العمل المسلح المساند لقوات النظام.
وبحسب لائحة الاتهام التي تلاها رئيس المحكمة القاضي فخر الدين العريان في الجلسة الأولى، جرى مطلع عام 2011 الاتفاق بين وسيم الأسد والعميد غياث دلا، أحد قادة الفرقة الرابعة بقيادة ماهر الأسد شقيق رأس النظام البائد، على تشكيل مجموعتين مسلحتين رديفتين.
وتشير اللائحة إلى أن المذكور أمّن نحو 30 مقاتلاً، وتولى الإشراف على المجموعتين وتأمين السلاح والذخيرة والتمويل والدعم اللوجستي لهما، فيما تركز نشاطهما في منطقة المليحة بالغوطة الشرقية خلال الفترة الممتدة بين عامي 2012 و2014.
ووفق ما عرضته المحكمة، ارتبط نشاط هذه المجموعات بعمليات عسكرية استهدفت مناطق مدنية، وبوقائع قتل وخطف وتعذيب وسلب وابتزاز، وهي أفعال صنفتها المحكمة ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية
.
جرمانا والمليحة.. وقائع بارزة في ملف الدعوى
من أبرز الوقائع التي تناولتها المحكمة حادثة وقعت في جرمانا عام 2012، إذ اقتحمت مجموعة مسلحة تابعة لوسيم الأسد محلاً تجارياً وسلبت محتوياته، قبل أن تخطف صاحبه وتقتاده إلى مكان احتجاز، حيث تعرض للتعذيب إلى جانب موقوفين آخرين.
وبحسب ما عرضته المحكمة خلال المحاكمة، قُتل ثلاثة من الموقوفين أمام الضحية، قبل إخفاء جثامينهم في بساتين المليحة.
كما تناولت المحكمة واقعة قصف وقعت عام 2013 على الطريق بين المليحة وزبدين، وأسفرت عن مقتل نحو 75 مدنياً، أمكن توثيق أسماء 44 منهم، حيث ربط ملف الدعوى هذه الواقعة بالعمليات العسكرية التي نفذتها قوات النظام البائد والمجموعات المسلحة المرتبطة بوسيم الأسد في المنطقة.
وتندرج هذه الوقائع، بحسب توصيف المحكمة وملف الدعوى، ضمن سياق أوسع من العمليات العسكرية والانتهاكات التي استهدفت المدنيين خلال السنوات الأولى من الثورة السورية.
القبض عليه بعد سقوط النظام
في الـ 21 من حزيران 2025، أعلنت وزارة الداخلية السورية القبض على وسيم الأسد خلال كمين محكم نفذ بعد استدراجه، وذلك بالتعاون بين جهاز الاستخبارات العامة والجهات المختصة في الوزارة.
وجاء توقيفه بعد ستة أشهر من التحرير، ليصبح لاحقاً أحد أبرز المتهمين الذين يمثلون أمام القضاء السوري في ملفات مرتبطة بانتهاكات ارتُكبت خلال سنوات الحرب.
وكان اسم وسيم الأسد أُدرج في عام 2023 على قوائم العقوبات الأمريكية والأوروبية، في إطار إجراءات استهدفت شخصيات وشبكات مرتبطة بالنظام البائد.
المحاكمة ولائحة التهم
بدأت أولى جلسات محاكمة وسيم الأسد أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق في الـ 24 من حزيران، برئاسة القاضي فخر الدين العريان، وعضوية المستشارين عبد الحميد الحمود وحسام عبد الرحمن، وبحضور ممثل النيابة العامة القاضي عمر الراضي، وممثلين عن منظمات حقوقية وطنية ودولية.
وتضمنت لائحة الاتهام التي أعلنها القاضي العريان اتهامات بتشكيل وإدارة مجموعات مسلحة غير نظامية، والمشاركة في عمليات عسكرية استهدفت مناطق مدنية في الغوطة الشرقية، إضافة إلى وقائع قتل وخطف وتعذيب وسلب وابتزاز والتحريض على العنف، مع تصنيف الأفعال المنسوبة إليه ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
الشهود والأدلة أمام المحكمة
في الجلسة الثانية، التي عقدت في الـ 15 من تموز، استمعت المحكمة إلى عدد من شهود الحق العام، واستمرت في بحث الوقائع الواردة في ملف القضية، أما الجلسة الثالثة التي عقدت في الـ 22 من تموز، فشهدت استكمال الاستماع إلى الشهود والمرافعات، قبل أن تتمسك النيابة العامة بطلب توقيع عقوبة الإعدام بحق المتهم، استناداً إلى ما قدمته من أدلة وشهادات في القضية.
وفي الجلسة الرابعة، التي عقدت في الـ 29 من تموز بصورة مغلقة، أحالت المحكمة أحد المدعين إلى الطبابة الشرعية لتحديد طبيعة الإصابة والعجز والضرر الذي تعرض له، بعد إفادته أمام المحكمة بشأن إطلاق النار عليه من قبل المتهم.
تقرير طبي وإطلاق نار
وخلال الجلسة الخامسة، في الـ 5 من آب، أضيف إلى ملف الدعوى تقرير طبي يثبت إصابة أحد المدعين جراء إطلاق النار عليه، مع تحديد نسبة العجز الوظيفي بـ 35% وتعطله عن العمل لمدة عشرة أشهر.
وفي الجلسة نفسها، قدم وكيل المتهم مذكرة دفاع من ثلاث صفحات أنكر فيها الاتهامات المنسوبة إلى موكله، فيما كرر المتهم طلبه بالبراءة والتماس الرأفة والرحمة.
في المقابل، تمسكت النيابة العامة وجهة الادعاء بطلباتهما السابقة بإنزال أقصى العقوبات بحق المتهم، وبعد استكمال الإجراءات، قررت هيئة المحكمة بالإجماع رفع أوراق القضية للتدقيق والحكم، وحددت الـ 18 من آب موعداً للنطق بالحكم.
واليوم الثلاثاء، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق حكمها بحق المتهم وسيم الأسد، وقضت بإعدامه ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، بعد إدانته في الوقائع والجرائم التي نظرت فيها المحكمة ضمن ملف الدعوى.
ويختتم الحكم مساراً قضائياً بدأ بتوقيف المذكور في حزيران 2025، ثم إحالته إلى القضاء ومحاكمته على خلفية دوره في تشكيل وقيادة مجموعات مسلحة رديفة لقوات النظام البائد، وما ارتبط بها من عمليات ووقائع قتل وخطف وتعذيب وسلب وابتزاز واستهداف للمدنيين.
وبحسب الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية فإن هذا الحكم يشكل ركيزة أساسية في مسار ترسيخ سيادة القانون وتطبيق آليات العدالة الانتقالية وفق المعايير الدولية والضمانات الوطنية، مؤكدةً استمرار جهودها في متابعة القضايا القضائية لضمان إنصاف الضحايا، وتوثيق الحقائق، ووضع حد للإفلات من العقاب