.في أزقة المخيمات المؤقتة بريف إدلب، حيث تنتهي حدائق الطفولة وتبدأ قسوة النزوح، يرتفع صوتٌ مختلف يُعيد ترتيب الحياة من جديد. ليس صوتاً عادياً، بل هو إيقاعُ شغفٍ يتحدى جدران الخيام ومرارة الظروف. إنه صوت المعلم شحود علي القدور، شابٌ اختار أن يخوض أقدس المعارك وأعمقها أثراً: معركة انتشال عقول الأطفال من الظلام إلى النور.
التعليم رسالة حياة.. لا مجرد مهنة
رغم الظروف المعيشية والأزمات التي تعصف بالمنطقة، وأمام مغريات فرص عمل أخرى ذات دخلٍ ماديٍ أعلى في مجالات مختلفة، آثر المعلم شحود البقاء في خط الدفاع الأول عن مستقبل الأطفال.
وعن هذا الخيار الإنساني والمهني يقول المعلم شحود:
"هناك على فرص عمل كثيرة وبمدخول أكبر،الانتساب للامن او الجيش لكن بالنسبة لي هناك شيء يتجاوز مفهوم مصدر الرزق.. التعليم بالنسبة لي هو رسالة أستطيع من خلالها تعديل سلوك طفل وترك أثر دائم. الظروف الصعبة لم تزدني إلا تمسكاً بهذه الرسالة؛ فحين ترى أطفالاً عاشوا كل هذه المعاناة، تجد أن واجبك أن تبقى معهم لتكون جزءاً من بناء مستقبلهم."
إنها لحظة فارقة حين يتسلم المعلم طفلاً في الصف الأول الابتدائي، لا يعرف كيف يمسك القلم أو يرسم الحرف، ليرى بذور الجهد تترجم في نهاية العام قراءةً وكتابةً بثقة على السبورة. يصف شحود هذه اللحظة بشغف قائلًا:
"رؤية الأثر الحي وهو ينمو يوماً بعد يوم، ورؤية الطالب ينتقل من الظلام إلى النور، هي الشعور الذي لا تُوفّيه الكلمات حقه. القراءة والكتابة لا تمنح الطفل مهارة فحسب، بل تمنحه مفتاحاً لاكتشاف العالم من حوله."
ابتكار من روح البيئة: عندما تنطق الخامات البسيطة
في مدارس مؤقتة تتألف سقافها من شوادر الخيام وتغيب عنها أدنى المقومات والوسائل التعليمية الجاهزة، لم ينتظر المعلم شحود حلولاً تأتي من الخارج، بل انطلق من قاعدة: "اشتغل بالمناسب حتى يأتيك الأنسب".
بدأ بابتكار وسائل تعليمية تفاعلية بجهود شخصية وعلى حسابه الخاص، مستخدماً خامات بسيطة من الكرتون والورق وأدوات البيئة المحيطة، محولاً المفاهيم العلمية والرياضية المجردة إلى ألعاب ملموسة.
"الطفل في مرحلة الحلقة الأولى لا يتفاعل إلا مع الشيء الملموس. أردت أن ينقلب دور التلميذ من مجرد مستمع إلى مشارك فعال يُحب التعلم. حين يحس الطفل بالوسيلة الملموسة، يزول عنه حاجز الخوف، ويكون الفشل الأول مجرد خطوة شجاعة لنجاحٍ قادم."
ولأن الوسيلة عنده ليست مجرد أداة شرح بل عنصر تشويق، يحرص المعلم شحود على إعداد هذه الأدوات كمفاجآت لطلابه داخل الفصل، مما يزرع فيهم حماس الانتظار والشغف اليومي للتلقي والمشاركة.
المسرح المدرسي: ترسيخ القيم وترميم الأرواح
لم يقف ابتكار شحود عند حدود المناهج التعليمية، بل تعداه إلى الجانب النفسي والتربوي والإنساني. فقد اتخذ من المسرح المدرسي وسيلة لترسيخ القيم الإنسانية النبيلة، من احترام الكبير والعطف على الصغير، وصولاً إلى غرس قيم التضامن الإنساني.
ومن أبرز هذه الأنشطة عرض مسرحي أعده وحمل عنوان "غزة العزة" لترسيخ قيم رفض الظلم والتضامن مع الآخرين، حيث أتاح حتى للأطفال الخجولين أو غير القادرين على التحدث فرصة المشاركة والتعبير بدون كلفة أو ضغوط.
يقول المعلم شحود:
"الأطفال في المخيمات يواجهون ظروفاً نفسية وصعبة جدًا.. أحيانًا لا يملك الأهل ثمن الطعام فكيف باللباس والقرطاسية؟ المسرح والأنشطة التفاعلية تمنحهم مساحة للترويح وكسر الخوف ومحاكاة القيم الإنسانية العميقة."
من الفصل إلى المنصات: نقل التجربة وإحياء العلم
ما بدأ كمبادرة فردية في حدود الصف الدراسي، تحول اليوم إلى مشروع لنقل الخبرة وتعميم الفائدة. فبعد تفاعلٍ كبير حظيت به مقاطعه المصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، قرر المعلم شحود ألا يقف عند حد استخدام الوسيلة، بل التشارك بها مع زملائه المعلمين، عملاً بمقولة: "العلم يحيى بين اثنين".
ويعمل المعلم شحود حالياً على توثيق أفكاره وتجاربه التعليمية لجمعها في منصة تعليمية متاحة مجاناً لكل معلم يريد الاستفادة منها، مؤكداً أنه لن يبخل بأي تجربة ناجحة حققت نتيجة مع أطفاله على بقية الكوادر التعليمية.
دعم المعلم: المفتاح الأساسي لبناء جيل متعلم جديد
في ختام حديثه، يوجه المعلم شحود رسالة تختصر جوهر المعاناة والحلول لمستقبل التعليم في مناطق النزاع:
"التعليم ليس ترفاً، بل هو حق أساسي ووسيلة لحماية مستقبل الأطفال. والحل لكل التحديات والصعوبات الموجودة في المدارس يُختصر في أمر واحد: دعم المعلم. لقد درست في خيمة بلا جدران، والحمد لله حققنا نتيجة.. المعلم المدعوم يستطيع أن يعمل ويتحدى كل الظروف، وعنده تزيد النتائج وتتكاثر الفائدة. يجب ألا نُنظر إلى أطفال مناطق النزاع على أنهم أقل حظاً في التعليم."
استثمار في بناء المستقبل
إن تجربة المعلم شحود علي القدور ليست مجرد قصة نجاح فردية في ظروف قاسية، بل هي نموذجٌ حي لما يمكن أن يحدثه المعلم المبتكر والشغوف من فارق في حياة أجيال كاملة.
إن تسليط الضوء على هذه التجربة يُلزم الجهات المعنية والمؤسسات التعليمية والتربوية بالوقوف الفعلي إلى جانب المعلمين المبدعين، وتقديم الدعم المادي والمعنوي واللوجستي لهم. إن تبني وتوسيع هذه المبادرات وتوفير الأدوات اللازمة للمعلم ليس مجرد تحسين لظروف العمل، بل هو استثمار مباشر في بناء جيل متعلم، واثق، ومتمسك بأمله في مستقبل أبهى.