ارتفاع أسعار المحروقات وتهديد الموسم الشتوي في الريف السوري

مراد قره مصطفى
الأحد, 27 سبتمبر - 2026
مزارع سوري
مزارع سوري


في منتصف ليل الثالث عشر من أيلول، صدرت نشرة برفع سعر ليتر المازوت إلى مئة وخمس وسبعين ليرة جديدة. الزيادة تقارب أربعين في المئة. وفي الريف، حيث بدأ المزارعون فعلاً بتجهيز الأرض للموسم الشتوي، لم يُطرح السؤال عن برنت أو عن مضيق أو عن تفاصيل صيانة مصفاة بانياس. طُرح سؤال واحد: تُشغَّيل المضخة غداً؟ وشحن المحصول إلى السوق قبل أن يفسد أو تدني سعر البيع بحيث لا يغطي التكلفة؟

الزراعة في سوريا ليست بنداً في جداول الوزارات. هي ما بقي من كرامة عائلات كاملة بعد أن ضاعت الوظائف وتوقفت المعامل. من حوران إلى الغاب إلى الجزيرة، المازوت يستخدم لضخ الماء من البئر، ويشغل الحصادة، ويسحب الشاحنة. إذا وارتفاع أسعاره يرفع سعر الرغيف. هذا النص يحاول أن يتتبع أثر هذه الزيادة على الحقل في لحظة التحضير للشتاء، وأن يقترح ما يمكن فعله قبل أن يفوت أوان الموسم.

واقع النشرة: متأخرة عن الأرض ومبكّرة على الصبر

وصلت النشرة إلى القرى كما تصل القرارات الكبيرة عادة: متأخرة عن حاجة الأرض، ومبكّرة على صبر الناس. ليتر المازوت ارتفع إلى مئة وخمساً وسبعين ليرة جديدة. البنزين ارتفع. أسطوانة الغاز ثقُلت على البيت قبل أن تصل إلى الحقل. وقيل إن الأمر مؤقت إلى أن تنتهي صيانة المصفاة. لكن الأرض العطشى لا تنتظر شهرين. ومن عاش الحرب يعرف أن «المؤقت» هو الذي يدووم. الزيادة الرسمية بلغت نحو أربعين في المئة. أما إذا قيست بالدولار من أدنى نقطة بلغها السعر في أواخر 2025، فالفارق يتجاوز تسعين في المئة. هذا ليس جدلاً محاسبياً. هو الفرق بين أن يروي المزارع أرضه وبين أن يقلّص المساحة أو يؤجّل شراء البذار.

قبل النشرة وبعدها: سعر المازوت وفق نشرة 13 أيلول 2026.

في اليوم الأول توقفت شاحنات في محافظات، وخرج ناس إلى الطريق. ليس هذا تشويشاً على التعافي، بل تنبيهاً مبكراً. إذا انقطع النقل انقطع تسويق الخضار والقمح والقطن. وإذا رفع صاحب الحصادة أجرته، دفع الفلاح من محصول لم يُحصد بعد. الحلقة تُقفل دائماً على الطرف الأضعف.

مسار سعر المازوت بالدولار لليتر من تشرين الثاني 2025 إلى أيلول 2026.

التأثير على التحضير للموسم الشتوي

الوقع أثقل الآن، لأن المزارعين دخلوا أصلاً في أسابيع التحضير للشتاء. تُجهَّز الأرض، ويُشترى البذار والسماد، وتُحدَّد مواعيد الري الأولى قبل أن يشتد البرد. مع كل لتر أكثر تكلفة يعني ساعات أقل للمضخة، ومساحة أقل تُروى، وبذاراً قد يُؤجَّل أو يُقلَّل. النتيجة ليست تأخيراً لأسابيع؛ هي ضربة لمحاصيل القمح والشعير والخضار الشتوية التي تعتمد عليها السلة في الشهور المقبلة.

بعض التقديرات الميدانية تقول إن حصة المازوت من كلفة ري القمح قد تتراوح بين عشرين وخمسين في المئة، بحسب عمق البئر ونوع المضخة والمسافة. مع ارتفاع سعر اللتر أربعين في المئة يرتفع هذا البند مباشرة، فيُحسَم القرار في أيلول وتشرين الأول: هل تُروى الأرض كاملة أم يُقلَّص الري؟ هل يُشترى السماد بالمعتاد أم يُؤجَّل جزء منه؟ هذه قرارات لا تُؤجَّل إلى منتصف الشتاء.

تقدير أثر غلاء المازوت على كلفة الري والمدخلات في الموسم الشتوي.

من ظنّ أن الفلاح سيبتلع الزيادة لأنها ظرف طارئ، نسي أنه ابتلع قبلها الجفاف والنزوح وغلاء السماد وانقطاع الكهرباء. ثم يُطلب منه اليوم أن يبتلع فاتورة تأخير قطع غيار لا شأن له بها. الصمود المتكرر ليس دليلاً على قدرة لا تنفد؛ هو دليل على نفاد الخيارات.

من المضخة إلى الرغيف

البلد يستورد لأن إنتاجه لا يكفي. والصيانة إن نجحت قد ترفع طاقة بانياس. هذا مفهوم. لكن العدل يقتضي ألا تُرمى كلفة الإصلاح كلها على من يطعم الناس. المسافة بين حسابات الاستيراد وحسابات الأرض قصيرة: القمح الذي لا يُروى اليوم يُشترى غداً بالدولار من الخارج، وبأثمان أغلظ من فرق النشرة. عندها نكون قد وفّرنا شهراً في الخزينة وخسرنا عاماً في السلة الغذائية.

السلسلة واضحة: إذا ارتفع سعر المازوت ، فسترتفع تكلفة المضخة ، والجرار والحصّادة أغلى ، والشاحنة ، وبالطبع ترتفع تكلفة المحصول، فخبز أعلى سعراً في المدينة. كل حلقة تنقل الزيادة إلى التالية، ومن يدفع في النهاية هو الأضعف: المزارع أولاً، ثم من يشتري الرغيف.

سلسلة انتقال الكلفة من مضخة الري إلى سعر المحصول والخبز.

تُقدَّر الحاجة اليومية من المازوت بنحو سبعة فاصلة سبعة ملايين ليتر، يُستورد منها قرابة ستين في المئة. أي اضطراب في السعر أو التوريد يظهر في الحقول قبل أن يظهر في محطات المدن. معاملة المازوت الزراعي كأي استهلاك آخر تتجاهل فرقاً بسيطاً: هذا وقود يحرّك اقتصاداً ريفياً، لا وقود خدمات أو نقل خاص.

سوريا ليست وحدها أمام غلاء وقود الزراعة. دول كثيرة فصلت بين سعر السوق العام وسعر الوقود الموجّه للحقل، حتى لا تتحول صدمة الطاقة إلى صدمة غذاء.

تركيا الأقرب إلينا جغرافياً ومناخياً تربط جزءاً من دعم المزارعين بتسجيلهم في أنظمة الأحواض، وتتحمل الدولة بين خمسين وسبعين في المئة من أقساط التأمين الزراعي. الفكرة ليست في نسخ النموذج، بل في مبدأ واضح: سعر السوق شيء، وسعر المدخل الأساسي لمن ينتج الغذاء شيء آخر.

في أكثر من بلد عربي جُرّبت بطاقات أو حصص وقود زراعي بسعر مخفّض، مربوطة بمساحة الأرض أو بنوع المحصول. نجحت حيث وُجدت آلية تحقق تمنع التسرب، وفشلت حيث غاب التسجيل والمراقبة. أي نظام سوري مشابه يحتاج سجلات الجمعيات الفلاحية وبيانات المساحات، لا توزيعاً عشوائياً يتحول إلى سوق سوداء.

القاسم المشترك في ما نجح نسبياً ثلاثة أمور:

 سعر معلوم للوقود الزراعي، وتوقيت يسبق ذروة الموسم لا يلحقها، وآلية تمنع التحويل لغير الزراعة. غياب واحد منها يحوّل الدعم إلى نزف بلا حماية حقيقية للحقل.

إن لم تستطع الخزينة الدعم الشامل، فليس الحل رمي الكلفة على الحقول. الحل في دعم موجّه يحمي الموسم دون أن يفرّغ المحطات. هذه أولويات يمكن البدء بها:

خمس أولويات للدعم الموجّه قبل الموسم الشتوي.

مازوت زراعي بسعر معلوم

حصة واضحة بسعر معلن، تُسلَّم في أوانها، عبر سجلات الجمعيات وبطاقات المزارعين، مربوطة بالمساحة أو بالمحصول. الشفافية في الكمية والسعر والتوقيت أهم من حجم الدعم نفسه

 التوزيع قبل التحضير لا بعده

التحضير للشتاء يبدأ في أيلول وتشرين الأول. أي توزيع يأتي بعد تجهيز الأرض وشراء البذار يعني تفويت موسم، لا تأخير أسابيع. التقويم الزراعي لا ينتظر انتهاء الصيانة.

ربط جزء من الدعم بالمحاصيل الأساسية

يمكن توجيه الحصة المدعومة نحو القمح والشعير والخضار الشتوية. ليس تقييداً لحرية المزارع، بل ترتيباً لأولويات السلة الغذائية حين يكون الدعم محدوداً.

جدول زمني للمراجعة

إذا كانت الزيادة مربوطة بصيانة المصفاة، فليُعلن موعد انتهاء الأعمال والتزام بمراجعة السعر عند عودة الإنتاج. «مؤقت» بلا تاريخ وبلا التزام لا يقنع أحداً في الحقل.

حماية النقل والحصاد

ارتفاع الوقود ينعكس فوراً على أجور النقل والحصادة. يُفترض مراقبة هذه الحلقات حتى لا يتحمل المزارع وحده الفرق، عبر أسعار استرشادية في الذروة أو دعم جزئي لوقود آليات الحصاد والنقل الزراعي.

الدعم الموجّه يحتاج بيانات. سجل للمزارع والمساحات والمحاصيل، يُحدَّث كل موسم، يقلل التكرار والتسرب. كلفة بنائه أقل من خسارة موسم كامل.

السلطة الجديدة وعدت بكرامة بعد سنين الذل. في الريف للكرامة شكل واضح: مازوت يصل في وقته، وسعر للمحصول لا يُقطع عن كلفته، وشتاء لا يخيّر الفلاح بين دفء أولاده وريّ أرضه. الزراعة ليست بنداً ثانوياً في سياسة الطاقة؛ هي أمن غذائي وكرامة أسر صمدت على أرضها رغم القصف والجفاف.

لا أحد يطلب بيع الوقود بأقل من كلفته حتى تفرغ المحطات. المطلوب ألا يُضحّى بالموسم من أجل هدوء المحطات. الفصل بين سعر السوق وسعر الوقود الزراعي ممكن حين تتوفر الإرادة وآلية التنفيذ. الأرض موجودة، واليد العاملة موجودة، ومعرفة المواسم موجودة. ينقص القرار الذي يضع الحقل داخل معادلة الطاقة لا خارجها.

إن لم يُحسب هذا في المراجعة الموعودة، فكلمة «مؤقت» لن تقنع أحداً في الحقل. الحقل يصدق الماء، لا البيان. والمزارع الذي بقي رغم القصف والجفاف يستحق أكثر من وعد معلّق؛ يستحق لتر مازوت في أوانه، وبذرة لا تُؤجَّل، وقراراً لا ينتظر حتى يفوت الموسم

1