احتفى العراقيون برحيل القوات الأمريكية اليوم الأربعاء بعد استمرار وجودها في البلاد لأكثر من 20 عاما، لكن الكثيرين يخشون أن يؤدي انسحابها إلى فراغ أمني يزيد من جرأة الفصائل المسلحة المدعومة من إيران أو يتيح فرصة لعودة تنظيم الدولة الإسلامية.
وبانسحاب آخر القوات -والذي سيكون بشكل أساسي من قاعدة جوية في أربيل بإقليم كردستان شبه المستقل- تنتهي أكبر حرب خاضتها الولايات المتحدة منذ عشرات السنين، والتي تسببت في دمار وفوضى على نطاق واسع لم يتعاف منهما العراق تماما بعد.
وتحتفي إيران وحلفاؤها بانسحاب آخر القوات بوصفه انتصارا في إطار مساعيها لطرد القوات الأمريكية من الشرق الأوسط.
وانطلقت قوات عراقية في قافلة بالسيارات عبر شوارع بغداد ومدينة النجف التي تحظى بمكانة دينية لدى الشيعة احتفالا بالانسحاب.
وقال أحمد صلاح، أحد سكان بغداد، إن الانسحاب “يملأ قلوبنا فرحا”. وأضاف أنه يشعر وكأنه ولد من جديد في سن السبعين. لكنه أشار أيضا إلى أن الوقت قد حان الآن لكي تسلم الفصائل المسلحة القوية أسلحتها، قائلا “دع الحكومة تكون الجهة المسؤولة عن حماية كلينا، أنا وأنت، برا وجوا وفي المياه”.
وجرت الموافقة على الانسحاب في 2024 في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن وتنفذه إدارة دونالد ترامب حتى في الوقت الذي تشن فيه حربا على إيران.
وكانت قوات بقيادة الولايات المتحدة غزت العراق في عام 2003 للإطاحة بصدام حسين، ما أثار في ذلك الوقت اضطرابات وفوضى. وغادرت القوات الأمريكية في البداية في آخر عام 2011، لكنها عادت بعد ذلك بأقل من ثلاث سنوات لمساعدة القوات العراقية بعد أن استولى مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية على ثلث أراضي العراق وفرضوا حكما قائما على العنف.
ولقي أكثر من 4500 جندي أمريكي حتفهم في العراق، وهو ما يبلغ مثلي عدد قتلاها في حرب متزامنة في أفغانستان. ويشير مشروع “ضحايا حرب العراق” إلى مقتل أكثر من 200 ألف مدني عراقي.
وقالت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا رسميا عملية العزم الصلب، مضيفة أن واشنطن ستواصل تقديم التدريب والدعم المخابراتي الموجه للشركاء العراقيين.
ومن المتوقع أن يقود العراقيون جهود تأمين بلدهم، الحليف لكل من واشنطن وطهران، والإبقاء على فلول تنظيم الدولة الإسلامية تحت السيطرة.
وقال رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في بيان “انتهاء مهمة التحالف الدولي لا يعني انتهاء معركتنا مع الإرهاب، بل هو انتقال العراق إلى مرحلة يتولى فيها المسؤولية الكاملة عن أمنه واستقراره”.
* “الفراغ الأمني يمكن أن يكون بالغ الخطورة”
رغم أن الانسحاب يحظى بتأييد واسع بين العراقيين، يشعر البعض بالقلق من أن قوات الأمن التي دربتها ومولتها الولايات المتحدة لا تزال غير قادرة على حماية البلد.
وقال جاسم البهادلي، وهو محلل عراقي يقدم المشورة لقوات الأمن “الدرس المستفاد من العقدين الماضيين هو أن الفراغات الأمنية يمكن أن تكون بالغة الخطورة”.
وقال عادل سلمان (45 عاما)، وهو مدرس لغة إنجليزية في مدرسة ثانوية، إن العراقيين يجب ألا يتسرعوا في الاحتفال بالانسحاب.
وأضاف “لا تزال الميليشيات تعمل خارج سيطرة الدولة، كما أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) لم يختف بعد… أشعر بالقلق من أن يؤدي الانسحاب الأمريكي إلى فترة جديدة من عدم الاستقرار. وفي نهاية المطاف، سيحكم الناس على هذا القرار من خلال أمر واحد فقط: ما إذا كان الأمن سيظل مستقرا خلال السنوات المقبلة”.
ومع وجود القوات الأمريكية جنبا إلى جنب مع الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران، انخرط العراق في حرب إيران هذا العام.
وفي حرب هذا العام على إيران، سقط في العراق سبعة من أصل 18 جنديا أمريكيا أعلن عن مقتلهم خلال الصراع، آخرهم جندي برتبة سيرجنت لقي حتفه في أثناء تفجير محكم لطائرة مسيرة في قاعدة قرب أربيل في يوليو تموز.
* إيران وحلفاؤها هم الرابحون
تعتبر إيران، التي عززت نفوذها باطراد من خلال حلفائها في العراق منذ سقوط صدام، انسحاب الولايات المتحدة من العراق انتصارا لما يسمى “محور المقاومة” الذي يضم جماعات وفصائل مسلحة متحالفة معها في أنحاء المنطقة.
وقال المحلل السياسي أحمد يونس المقيم في بغداد “مما يثير مزيدا من القلق ليس بالضرورة التدخل الإيراني المباشر، وإنما احتمال أن تشعر الجماعات الوكيلة لإيران بمزيد من القوة في غياب الوجود العسكري الغربي. وقد تحاول هذه الجماعات توسيع دورها في رسم سياسات الدولة وترسيخ وجودها داخل المؤسسات الرئيسية”.
ويقول بعض المسؤولين الأمنيين العراقيين، في الحكومة الاتحادية وفي إقليم كردستان شبه المستقل بشمال البلاد، إن الانسحاب الأمريكي ينطوي أيضا على خطر منح مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية فرصة جديدة للنشاط، إذ إنهم ما زالوا يحتفظون بشبكة من الخلايا النائمة رغم هزيمة ما تسمى دولة الخلافة التي أعلنها التنظيم بنفسه قبل نحو 10 سنوات.
وفي المرة السابقة التي انسحبت فيها القوات الأمريكية أظهر الجيش العراقي أنه لا يقوى على مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية، إذ خلع الجنود زيهم العسكري وفروا عندما استولى التنظيم على الموصل، ثاني أكبر مدينة في العراق، في عام 2014.
وكانت القوات الأمريكية تزود قوات الأمن العراقية بمعلومات مخابراتية حاسمة عن تحركات تنظيم الدولة الإسلامية بالإضافة إلى عمليات المراقبة الجوية والاستطلاع.
وقال الجنرال المتقاعد في الجيش العراقي محمد الجبوري، الذي قاد لواء في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “السؤال الأهم الآن هو ما إذا كانت المؤسسات الأمنية العراقية قد أعدت خطة بديلة قابلة للتنفيذ لمرحلة ما بعد التحالف”.
وأضاف أنه “من بين أسوأ السيناريوهات المحتملة أن يتمكن داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) من الحصول على طائرات مسيرة مسلحة أو طائرات مسيرة مفخخة بدائية الصنع، في وقت لا تزال فيه قدرات الدفاع الجوي العراقية غير كافية للتصدي لهذه التهديدات بفعالية”.