أعلن اتحاد الكتاب في سوريا إطلاق مبادرة ثقافية وأدبية وطنية لعام 2027 تحت عنوان "أقلام تبني السلام والمستقبل: سوريا التنوع والذاكرة والمحاسبة والتسامح وجبر الضرر"، في مبادرة تستهدف أعضاء الاتحاد، وتضع الكتابة والأدب والتوثيق في صلب الجهود الرامية إلى حفظ الذاكرة السورية والمساهمة في مسار المصالحة والعدالة الانتقالية.
وجاء الإعلان المنشور على الموقع الرسمي للاتحاد في 30 أيلول/سبتمبر 2026، وقال الاتحاد إن المبادرة تأتي ضمن ما وصفه بـ "العدالة الانتقالية الثقافية"، وفي إطار دوره في جهود المصالحة وجبر الضرر والمساهمة في تثبيت السردية الوطنية وتأريخ الحقبة الماضية، مع إبراز التنوع الثقافي والاجتماعي السوري. وذكر الإعلان أن المبادرة أُطلقت بقرار من رئيس الاتحاد د. أحمد جاسم الحسين.
تسعى المبادرة، بحسب الإعلان الرسمي، إلى إبراز الدور الفكري والأدبي في دعم السلم الأهلي وترسيخ قيم العدالة والتسامح، من خلال فتح المجال أمام الكتاب لتقديم أعمال تتناول واحدة من أكثر المراحل حساسية في التاريخ السوري الحديث.
ويضع الاتحاد خمسة محاور رئيسية للمشاركة، تبدأ من "التنوع السوري والسلم الأهلي"، مروراً بـ "قصص الضحايا وجبر الضرر"، و"الذاكرة والحب والحرب"، وصولاً إلى "الاعترافات والمراجعات" و"التسامح وعدم الانتقام".
ويشير الإعلان إلى أن أحد أهداف المبادرة هو تدوين تفاصيل الحياة اليومية خلال سنوات الحرب، وهي زاوية تكتسب أهميتها من كونها تتيح الانتقال من سرد الأحداث السياسية والعسكرية الكبرى إلى تفاصيل التجربة الإنسانية التي عاشها السوريون في المدن والبلدات ومخيمات النزوح ومناطق اللجوء.
كما يدعو الاتحاد إلى تقديم قراءات نقدية للذات والمجتمع ومراجعة أخطاء الماضي، بالتوازي مع التشديد على قيم العفو ونبذ الانتقام والتشفي، وربط ذلك بالعدالة والمحاسبة.
ولا تحصر المبادرة الكتابة في الدراسات أو الكتب التاريخية، إذ يفتح الإعلان المجال أمام السيرة الذاتية والتوثيق التاريخي والاجتماعي والشهادات الحية، والشعر، والقصة والرواية والمسرح، وقصص الفتيان والأطفال، إضافة إلى الدراسات الفكرية والاجتماعية والتاريخية..
ويعطي هذا التنوع للمشروع بعداً يتجاوز التوثيق بالمعنى التقليدي؛ فالشهادة الشخصية، والرواية، والعمل المسرحي أو الشعري يمكن أن تحفظ جوانب من الذاكرة قد لا تظهر في الوثائق الرسمية أو السجلات السياسية.
وفي بلد مرّ بسنوات طويلة من الحرب والانقسام والنزوح، يصبح السؤال عن الذاكرة جزءاً من السؤال عن المستقبل: كيف يمكن توثيق ما حدث، والاستماع إلى تجارب الضحايا، وإتاحة المجال أمام مراجعة الماضي، من دون أن تتحول الذاكرة إلى أداة لإعادة إنتاج الصراع؟
ويضع اتحاد الكتاب مسألة "تثبيت السردية الوطنية" في صلب المبادرة، إلى جانب إبراز الهوية السورية المتنوعة والاحتفاء بالغنى الثقافي.
لكن تعدد التجارب السورية يجعل بناء هذه السردية تحدياً بحد ذاته؛ إذ لا تبدو الذاكرة السورية واحدة أو متجانسة، بل تتقاطع فيها تجارب مختلفة للثورة والحرب والنزوح والاعتقال والفقدان واللجوء، فضلاً عن اختلاف التجارب بين المناطق والجماعات والأجيال.
ومن هنا يمكن للكتابة أن تكون مساحة لتعدد الأصوات، لا مجرد وسيلة لصياغة رواية أحادية عن الماضي. فإتاحة المجال للشهادات المختلفة قد تساعد على بناء ذاكرة أكثر اتساعاً، شرط أن تقوم على التوثيق والنقد والاعتراف بالضحايا وحقوقهم.
وبحسب الإعلان الرسمي للاتحاد، ستخضع الأعمال المقدمة للتحكيم، على أن ينشر المقبول منها في صورة كتب إلكترونية تحمل رقماً معيارياً دولياً "ISBN" عبر المنصات والمواقع المعتمدة للاتحاد، مع منح الكاتب مكافأة مالية مقطوعة. كما يحتفظ صاحب العمل بحقه في إعادة نشره ورقياً بعد مرور عام على النشر الإلكتروني.
تضع المبادرة الثقافة في موقع مختلف عن دورها التقليدي بوصفها إنتاجاً أدبياً أو فكرياً فقط. فهي تتعامل مع الكتابة باعتبارها إحدى الوسائل الممكنة لحفظ الذاكرة والمساهمة في المصالحة الاجتماعية.
ولا يمكن للأدب، بطبيعة الحال، أن يحل محل المؤسسات القضائية أو آليات العدالة الانتقالية، لكنه يستطيع أن يؤدي وظيفة مختلفة: أن يمنح الضحايا مساحة للشهادة، وأن يحفظ التفاصيل الإنسانية، وأن يفتح باب المراجعة والنقد، وأن يساعد الأجيال الجديدة على الاقتراب من ماضيها من خلال تجارب الناس أنفسهم.
ومن هذه الزاوية، تبدو مبادرة "أقلام تبني السلام والمستقبل" محاولة لطرح سؤال يتجاوز الكتابة ذاتها: كيف يمكن للمجتمع السوري أن يتذكر سنوات الحرب من دون أن يبقى أسيراً لها؟
فالسلام لا يقوم على النسيان وحده، كما أن الذاكرة لا ينبغي أن تتحول بالضرورة إلى انتقام. وبين النسيان والثأر، تفتح المبادرة مساحة ثالثة تقترحها عناوينها نفسها: "التوثيق، والاعتراف، والمحاسبة، وجبر الضرر، والتسامح".
وإذا نجحت هذه المساحة في استيعاب تعدد الأصوات السورية، فقد تتحول الكتابة إلى جزء من أرشيف مرحلة تاريخية لا تزال أحداثها وشهاداتها ونتائجها حاضرة بقوة في حياة السوريين