الفستق لا يفهم لغة المواسم القصيرة

مراد قره مصطفى
الاثنين, 5 أكتوبر - 2026
شجر الفستق في سوريا
شجر الفستق في سوريا


رحلة الفستق الحلبي في سورية من 2011 إلى موسم 2026

مراد قره مصطفى

لا تعطي شجرة الفستق الحلبي محصولاً تجارياً في سنواتها الأولى. ويقدّر مكتب الفستق الحلبي في وزارة الزراعة دخول الغرسة مرحلة الإنتاج بعد ست إلى ثماني سنوات، فيما يقول مزارعون في ريف حلب الشمالي إن الانتظار قد يتجاوز ثماني سنوات. وهذا الفارق يذكّر بأن عمر الشجرة وحده لا يحدد موعد الإثمار؛ فالصنف والخدمة والظروف المحلية عوامل مؤثرة أيضاً. لذلك تُقرأ قصة الفستق في سورية عبر مواسم متعاقبة، لا من حصيلة موسم واحد.

من إنتاج ما قبل الحرب إلى تذبذب المواسم

قدّرت وزارة الزراعة إنتاج سورية قبل الحرب بما يصل إلى 80 ألف طن سنوياً، وفق تصريح نقلته وكالة شينخوا عن مسؤول زراعي عام 2022. ونقلت الوكالة عن منظمة الأغذية والزراعة أن سورية كانت رابع أكبر منتج للفستق عالمياً حتى 2013. وفي التصريح نفسه، قُدّر عدد الأشجار التي تضررت خلال الحرب بما لا يقل عن 600 ألف شجرة، منها 500 ألف في حماة، مع تنبيه المسؤول إلى أن العدد الفعلي قد يكون أكبر. هذه تقديرات منسوبة إلى مسؤول، وليست نتيجة مسح وطني منشور يمكن التحقق من منهجيته.

وفي 2022 بلغ التقدير الأولي للإنتاج 45,592 طناً، بحسب التصريح نفسه. أما 2023، فنقلت نورث برس عن مصدر في مديرية زراعة حلب تقديراً يقارب 47 ألف طن، بينما تسجل السلسلة الإحصائية المنشورة استناداً إلى FAOSTAT نحو 45,225 طناً؛ لذا ينبغي عرض الرقمين مع مصدرهما وعدم التعامل معهما كقياس واحد. وقدّرت نورث برس المساحة المزروعة في 2023 بنحو 60 ألف هكتار، وعدد الأشجار بـ9,478,127، منها 8,171,375 مثمرة. كما وثّقت عنب بلدي مزادات لاستثمار بساتين تعذّر على أصحابها الوصول إليها أو كانوا خارج البلاد. وتوضح هذه الحالات أثراً محتملاً على إدارة البساتين، لكنها لا تكفي وحدها لقياس أثرها في الإنتاج الوطني.

الإنتاج بين المعاومة والطقس

شجرة الفستق «معاومة»: تميل إلى حمل غزير في موسم وأخف في الموسم التالي، مع اختلاف النمط بين البساتين. لذلك لا يفسر التذبذب وحده أداء الإدارة أو الطقس؛ وتلزم مقارنة متعددة السنوات مع بيانات الأمطار والري ومساحة الأشجار المثمرة. وتُظهر السلسلة المنشورة المستندة إلى FAOSTAT تباين الإنتاج: 61.6 ألف طن في 2018، و31.8 ألفاً في 2019، و69.4 ألفاً في 2020، و43.1 ألفاً في 2021، ثم نحو 45.5 ألفاً في 2022 و45.2 ألفاً في 2023.

وفي 2024، بلغ الإنتاج المسجل 83,796 طناً، بما يضع سورية رابعة عالمياً بحصة تقارب 6.1% من إجمالي عالمي قدره 1.38 مليون طن، وفق بيانات FAOSTAT كما يعرضها AtlasBig. وهذه حصيلة إحصائية وطنية؛ أما إفادات مزارعين في ريف حلب الشمالي عن تراجع محصولهم في الموسم نفسه فهي ملاحظات محلية لا تنقض الرقم الوطني، لكنها تبيّن اختلاف النتائج بين المناطق.

وفي 2025، أفاد مكتب الفستق بأن الإنتاج بلغ 41,069 طناً. وعزا مدير المكتب جانباً من تراجع إنتاج الموسم التالي إلى الجفاف في 2025، موضحاً أن البراعم الثمرية تتكون قبل الإثمار بنحو عام. وكانت الجزيرة قد نقلت متوسط غلة معلناً قدره 0.84 طن للهكتار، لكن المصادر لا توضح هل احتُسب على المساحة المثمرة أم إجمالي المساحة المزروعة؛ لذلك لا يمكن مقارنته مباشرة بأرقام المساحة اللاحقة. وبما أن الفستق يتأثر أيضاً بالمعاومة، فلا يمكن نسبة التراجع كله إلى عامل واحد من دون بيانات تفصيلية عن البساتين والطقس والري.

الشكل 1: تعرض السلسلة المنشورة المستندة إلى FAOSTAT إنتاجاً بين 31.8 ألف طن في 2019 و83.8 ألفاً في 2024. ويُعرض رقم 2025 كما أورده مكتب الفستق، أما 2026 فنحو 33 ألف طن كتقدير أولي لا كحصيلة نهائية. ويشير خط 80 ألف طن إلى الحد الأعلى الوارد في تصريح عن إنتاج ما قبل الحرب، لا إلى متوسط ثابت. اختلاف المصادر والمنهجيات يستدعي الحذر عند المقارنة.

موسم 2026: تقدير أولي يقارب 33 ألف طن

لم تصدر الحصيلة النهائية لموسم 2026 بعد. ونقلت عنب بلدي ووكالة الأنباء القطرية عن مدير مكتب الفستق تقديراً وطنياً يقارب 33 ألف طن. وتفصّل عنب بلدي التقدير بـ14,740 طناً في حماة، و12,690 في حلب، و5,015 في إدلب؛ أي 32,445 طناً للمحافظات الثلاث، فيما تورد قنا أرقاماً مقربة تبلغ 15 و13 و5 آلاف طن على التوالي. ويقابل ذلك إنتاج وطني معلن قدره 41,069 طناً في 2025. وبحسب الأرقام المفصلة، ينخفض إنتاج حلب 50% تقريباً من 25,360 إلى 12,690 طناً، ويرتفع إنتاج حماة 43% من 10,343 إلى 14,740، وإدلب 7% من 4,695 إلى 5,015. مجموع إنتاج المحافظات الثلاث في 2025 هو 40,398 طنًا، أي أقل من الإجمالي الوطني بـ671 طنًا؛ وفي 2026 يبلغ الفارق عن التقدير الوطني التقريبي نحو 555 طنًا. وقد يعود الفرق إلى بقية المحافظات والتقريب، لكن المصدر لا يفصّله.

المحافظة المساحة 2026 (هكتار) إنتاج 2025 (طن) المتوقع 2026 (طن) التغير

حماة 27,374 10,343 14,740 +43%

حلب 23,516 25,360 12,690 −50%

إدلب 11,126 4,695 5,015 +7%

مجموع الثلاث 62,016 40,398 32,445 −20%

سورية (الإجمالي) 67,864 41,069 نحو 33,000 −20%

المصدر: أرقام المساحة والإنتاج الأولية لموسم 2026 من مكتب الفستق كما نقلتها عنب بلدي (21 أيلول 2026) وقنا (24 أيلول 2026). المساحات المعروضة أحدث حصر منشور للمحافظات وليست مقارنة متجانسة مع حصر 2025؛ أما إنتاج 2026 فما زال تقديرياً.

الشكل 2: إنتاج 2025 المنشور وتقدير 2026 الأولي في المحافظات الثلاث. يوضح الرسم تراجع تقدير حلب إلى النصف تقريباً، مقابل زيادة في حماة وإدلب. وتجمع المحافظات الثلاث إلى 32,445 طناً في التقدير الأولي، لا إلى الإجمالي الوطني التقريبي البالغ 33 ألف طن.

وفي 3 آب، نقلت الجزيرة عن مدير المكتب أن المؤشرات الأولية ترجّح موسماً أفضل من 2025، من دون إعلان كمية متوقعة، مع استمرار الحصر الميداني. وفي أيلول، نُشرت تقديرات كمية أولية أدنى من إنتاج 2025. ولأن التصريح الأول كان نوعياً ولم يحدد رقماً، فلا تصح مقارنته حسابياً بتقدير أيلول؛ لكن نشر تحديث يوضح تاريخ الحصر ومناطقه ومنهجيته يساعد المزارعين والتجار على فهم انتقال التوقع من مؤشر عام إلى تقدير رقمي.

وتظهر كذلك فروق بين الحصريات المنشورة للمساحات والأشجار. ففي آب، نقلت الجزيرة عن المكتب مساحة تقارب 60.5 ألف هكتار ونحو 9.7 ملايين شجرة، منها 7.7 ملايين مثمرة. وفي أيلول، أوردت عنب بلدي وقنا مساحة 67,864 هكتاراً، ونحو 10.5 ملايين شجرة وأكثر من 8 ملايين مثمرة. كما اختلف توزيع المساحات بين بعض المحافظات في البيانات المنشورة. قد يعكس ذلك تحديثاً للحصر أو اختلافاً في التغطية والتعريفات، لكن المصادر لا تشرح أسباب الفرق؛ لذلك لا ينبغي تفسيره تلقائياً كتوسع زراعي خلال أسابيع.

السعر والكلفة: تحسن في سعر المزرعة لا يكفي

في ريف حلب الشمالي، نقلت عنب بلدي عن المزارع غسان دوبا أن سعر كيلو الفستق بالعنقود بلغ 4–4.5 دولارات في 2026، مقابل 2.75–3 دولارات في العام السابق. وبمقارنة الحد الأدنى بنظيره والأعلى بنظيره، تعادل الزيادة نحو 45–50%؛ وهي مقارنة محلية وليست متوسطاً وطنياً. وقال دوبا إن أسعار بعض الأدوية والمحروقات والأسمدة واليد العاملة ارتفعت أكثر من 40%، وإن سعره الذي يراه مناسباً هو 5 دولارات للعنقود و9 دولارات للمنتج الجاهز. هذه تقديرات مزارع واحد، ولا تكفي وحدها لحساب هامش ربح القطاع.

الشكل 3: نطاقات أسعار محلية منشورة للفستق بالعنقود في ريف حلب الشمالي. ويقابل ارتفاع السعر المعلن في 2026 شكاوى مزارعين من زيادة كلفة بعض المدخلات بأكثر من 40%؛ ولا تمثل الأرقام متوسطاً وطنياً أو مسحاً شاملاً.

وتكشف المقارنة مع 2024 اختلاف أحوال المواسم والأسواق: أفاد مزارعون لعنب بلدي آنذاك بأن سعر الكيلو تراوح بين 1.5 و2 دولار، وأن تكلفة الهكتار تجاوزت ألف دولار لدى بعضهم. وفي تقرير 2026، اشتكى دوبا من منافسة الفستق المستورد، وذكر الفستق الإيراني تحديداً، قائلاً إن الفستق المحلي أعلى جودة. وتظل هذه إفادة مزارع؛ أما قياس أثر الاستيراد على الأسعار فيحتاج بيانات عن الكميات والأسعار ومواصفات المنتجات.

وعلى المستوى الوطني، نقلت قنا عن مدير مكتب الفستق أن قيمة صادرات الفستق بلغت 58.6 مليون دولار في 2025. ولا تتعارض هذه الحصيلة بالضرورة مع قول مزارع في ريف حلب الشمالي إن قنوات بيع محصوله محلية؛ فالتصريحان يتناولان مستويين مختلفين، ويستحسن نشر تفاصيل عن كميات التصدير وأسواقها لربط الرقم الوطني بتجربة المنتجين.

ثلاثة محاور لتحسين إدارة القطاع

تُظهر الأرقام المنشورة ثلاثة احتياجات عملية مترابطة:

أولاً، توحيد بيانات الإنتاج والمساحة. إنشاء سجل جغرافي للبساتين يميّز بين المساحة المزروعة والمثمرة، وعدد الأشجار المثمرة، والإنتاج والغلة؛ ومراجعة بياناته بعينات ميدانية وصور أقمار صناعية. وينبغي نشر التقدير الأولي والنهائي مع تاريخ الحصر ونطاقه ومنهجيته، كي تُفسر فروق الأرقام بدلاً من تركها بلا سياق. وفي إحصاء نقلته نورث برس عن 2023، كانت نحو 6.5 ملايين من أصل 7.7 ملايين شجرة مثمرة بعلية—قرابة 84%—ما يجعل بيانات المطر والري التكميلي جزءاً مهماً من متابعة المحصول، لا بديلاً عن قياس أثرهما.

ثانياً، جعل السوق قابلاً للتوقع. يعلن مكتب الفستق الروزنامة الزراعية وفترات الاستيراد قبل الموسم، مع نشر أسباب تعديلها وبيانات العرض والطلب؛ ويعزز التحقق من المنشأ والجودة كي لا يُسوّق المستورد على أنه محلي. ويمكن دعم التوضيح بعرض أسعار المزرعة وأسعار المنتج المجهز، إلى جانب إرشاد المزارعين إلى الفرز والتجفيف والتخزين والتعبئة، حتى يتضح أين تتكون القيمة المضافة ومن يتحمل الكلفة.

ثالثاً، توجيه الدعم إلى ما يحتاجه البستان ومزارعه. يتيح برنامج معلن عبر الجمعيات الفلاحية إيصال مستلزمات موثوقة أو قسائم مدخلات بشروط استحقاق واضحة وسجل تسليم قابل للتدقيق، مع خيار تسديد عيني بعد الحصاد حيث تسمح القواعد بذلك. وينبغي أن يتضمن البرنامج الوطني الذي قالت الوزارة إنه قيد الإعداد جدولاً زمنياً ومؤشرات سنوية منشورة. أما هدف زيادة الإنتاج 50–75% بحلول 2035، الذي نقله تقرير قنا عن مدير المكتب، فيحتاج خط أساس وتعريفاً واضحاً للإنتاج المستهدف وآلية متابعة دورية.

إذا تحسنت الأمطار فقد يرتفع إنتاج الموسم المقبل، لكن سنة وفيرة وحدها لا تثبت تحسن أداء القطاع. المعيار الأوضح هو انتظام نشر البيانات، وتحسن الغلة والقدرة على تغطية الكلفة، واتساع فرص التسويق والتصنيع عبر عدة مواسم.