صوت عبر الأثير


بمناسبة اليوم العالمي للإذاعة
في البدء كانت الصورة على صخور الكهوف كأول رسالة للإنسانية ترمز إلى شيء معين، ثم جاءت اللغة التصويرية التي تختصر الشيء بصورته على الطبيعة وتجمع الصورة إلى أخرى لتصل إلى معنى، أي جملة مصورة. كاللغة الهيروغليفية، ثم اخترع الحرف في رأس شمرا وتكونت اللغة المسمارية بإضافة حرف إلى آخر ضمن أبجدية للأصوات للحصول على معنى، ومن هذه الأبجدية تطورت اللغات والكتابات، واستطاع يوهان كوتنبرغ اختراع المطبعة في القرن الخامس عشر فانتشرت الكتب، والصحف فكانت أول صحيفة لا غازيتا في العام 1636. وجاءت أول صحيفة في العالم العربي في مصر (العشرية المصرية) في العام 1828 وانتشرت الصحافة في سوريا في العام 1860 لكن الإنسان كان يحلم بحفظ الصوت، وخاصة أصوات الأنبياء، والعلماء، والملوك، والشعراء، وكان حلما صعب التحقيق إلى أن جاء هيرتش هيرز الذي اكتشف أن هناك موجات كهرومغناطيسية في الأثير يمكن تحميلها بالأصوات، وتتألف من موجات قصيرة، ومتوسطة، وطويلة، (يتم استعمال الموجات الطويلة في مناطق جغرافية محدودة، والمتوسطة في مساحات أوسع، والقصيرة في المسافات البعيدة) وكانت بمثابة ثورة في عالم الاتصال التي ولدت منها ما يسمى ب"الراديو". أي الإذاعة، وكانت أولى التجارب في بريطانيا في العام 1920، وانطلقت إذاعة البي بي سي، في العام 1932 وتبعتها الإذاعات في العالم، وكانت إذاعة صوت العرب في العام 1942 وتبعتها إذاعة الجمهورية العربية السورية في العام 1947، هذه الوسيلة الإعلامية لاقت رواجا كبيرا لأسباب عديدة ذلك أنها بعكس الصحيفة فهي موجهة لكل فئات الشعب من متعلمين وأميين، ورجال ونساء، وصغار وكبار، ومع اختراع "الترانزيستور" أصبح بإمكان التقاط الموجات الإذاعية في كل مكان دون التقيد بمكان معين. وكان للإذاعة السورية ألقها الخاص فكانت تبث عبرها نشرات الأخبار، والمسرحيات، والبرامج المختلفة منها ما هو موجه للنساء، وأخرى للأطفال، والمثقفين، والبث المباشر للصلوات في المساجد والكنائس، وخطابات الزعماء، ومباريات كرة القدم، وبرز فيها شخصيات فنية لا تنسى ك"أم كامل" لأنور البابا، وروجت لفنانين كصباح فخري، وسواه، وكانت صباحيات فيروز الشهيرة مع القهوة، وأمسيات أم كلثوم، فأصبح الاستمتاع بالموسيقى والأغاني في متناول الجميع بعد أن كانت الموسيقى حكرا على من له القدرة المالية من امتلاك الغراموفون. وكوسيلة إعلامية لا تزال تحتفظ بمكانتها بين الوسائل الأخرى، ولعبت دورا في السياسة السورية فقد كانت الهدف الأول يتم السيطرة عليه من قبل كل الذين قادوا الانقلابات العسكرية في سوريا لإذاعة البلاغ رقم واحد بسيطرة الجيش على السلطة. ولا شك أن الإذاعة هي الوسيلة الأسرع في نقل الأخبار، وخاصة بعد أن تحول البث إلى موجات الإف إم. وبعد أن كانت الإذاعات حكرا على الدولة، انتشرت الإذاعات الخاصة، والمتخصصة، فهناك إذاعات للرياضة، وأخرى للثقافة، والموسيقى، والأطفال، وسواها. ومع انتشار الهواتف الذكية أصبح بالإمكان إلى استماع الإذاعات عبرها ومتاحة عبر هذا الجهاز. وستبقى هذه الوسيلة الإعلامية في طور التطور والانتشار مع كل تقدم تكنولوجي، وستبقى المدرسة الأولى في الإعلام السمعي البصري.