رقمٌ أشعل برلين ودمشق: كيف حوّلت زيارة الشرع ملف اللاجئين إلى اختبار لميرتس وسوريا معاً؟

الأحد, 5 أبريل - 2026
الرئيس السوري احمد الشرع والمستشار الالماني فريدريك ميريتس
الرئيس السوري احمد الشرع والمستشار الالماني فريدريك ميريتس


عن القدس العربي
لم تكن زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى برلين في 30 آذار/مارس 2026 زيارة بروتوكولية عابرة، ولا مجرد محطة جديدة في طريق فك العزلة عن دمشق. فاللقاء الذي جمعه بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس بدا، في ظاهره، مناسبة للحديث عن إعادة الإعمار وفتح صفحة جديدة في العلاقات السورية الألمانية، لكنه انتهى إلى شيء آخر تماماً: جدل حاد حول مصير مئات الآلاف من السوريين في ألمانيا، وفوضى سياسية وإعلامية انفجرت بسبب رقم واحد هو «80 في المئة». ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: ماذا أراد الشرع من برلين؟ بل ماذا أراد ميرتس من هذه الزيارة: إعادة سوريا إلى الغرب، أم إعادة السورييت إلى سوريا؟
زيارة أكبر من ملف العودة
من الخطأ اختزال الزيارة كلها في ملف اللاجئين وحده. فبرلين أرادت أن تقول إنها مستعدة للانخراط في «تثبيت» سوريا الجديدة، ليس فقط سياسياً بل اقتصادياً أيضاً. الحكومة الألمانية أعلنت خلال الزيارة إنشاء قوة عمل مشتركة لتسريع التعاون، وربطت بين الاستقرار السياسي في سوريا والنمو الاقتصادي وإعادة الإعمار. كما تعهدت بتقديم أكثر من 200 مليون يورو خلال عام 2026، تشمل دعماً لمشاريع المياه وإعادة بناء المستشفيات، مع حديث واضح عن تحسين مناخ الاستثمار وتقديم خبرات وإصلاحات تساعد على جذب الشركات الألمانية. هكذا ظهرت الزيارة، في مستواها الأعمق، كمحاولة ألمانية لصياغة صفقة واسعة: دعم أوروبي اقتصادي وسياسي مقابل شراكة سورية في ملف الاستقرار والعودة.
ولذلك لم يكن حضور الشرع في برلين مجرد لقاء في المستشارية، بل تضمن أيضاً بعداً اقتصادياً مباشراً، من خلال المائدة الاقتصادية السورية الألمانية والرسائل التي صدرت عن الجانبين بشأن إعادة بناء البنية التحتية وفتح آفاق الاستثمار. وبرلين، التي أعادت فتح سفارتها في دمشق عام 2025 بعد انقطاع دام 13 عاماً، لم تكن تتحرك هنا بدافع إنساني فقط، بل بدافع استراتيجي أيضاً: سوريا المستقرة أقل كلفة من سوريا المنهارة، ودمشق التي ترتبط بمسار إعادة إعمار وتعاون اقتصادي أقل خطراً من سوريا المعزولة المفتوحة على الفوضى والتهريب وموجات النزوح الجديدة.
لكن هذه الصورة الواسعة تراجعت سريعاً إلى الخلف، بعدما ابتلعها ملف العودة، أو بالأحرى بعدما ابتلعها رقم العودة.
كيف وُلدت فوضى «80 في المئة»؟
في المؤتمر الصحافي المشترك، خرج الانطباع بأن نحو 80 في المئة من السوريين الموجودين في ألمانيا يمكن أن يعودوا إلى بلدهم خلال ثلاث سنوات. الرقم كان كافياً وحده لإشعال الساحة الألمانية. فهو لا يتعلق بعشرات الآلاف، بل بكتلة بشرية ضخمة ضمن واحدة من أكبر جماعات اللاجئين في البلاد. والأسوأ من الرقم نفسه أن معناه لم يكن واضحاً: هل هو هدف تتبناه الحكومة الألمانية؟ هل هو مجرد تقدير؟ أم أنه مجرد حديث سياسي غير منضبط خرج من جلسة ثم تسرب إلى الميكروفونات بصيغة ملتبسة؟
هنا بالتحديد تحولت الزيارة من حدث دبلوماسي إلى أزمة تواصل سياسي. فبعد الضجة الواسعة، عاد ميرتس في 31 آذار/مارس 2026 ليؤكد أن نسبة 80 في المئة لم تكن هدفاً ألمانياً رسمياً، بل رقماً طرحه الجانب السوري، وأن برلين «أخذت علماً به» فقط مع إدراكها لحجم التحدي. وبعد ذلك بيوم، انتقلت الحكومة الألمانية في خطابها من لغة الأرقام والنِّسب إلى لغة أكثر ضبابية، فتحدث المتحدث باسمها عن «عدد ملموس» أو «عدد كبير» من العائدين، وركز على أن المهم هو الإطار العام لا «من قال الرقم أولاً». هذا التراجع اللغوي لم يكن مجرد تصحيح شكلي، بل اعتراف ضمني بأن الرقم خرج أكبر من قدرة الحكومة على الدفاع عنه.
وبحسب إعادة البناء التي أثارتها التغطية الألمانية، فإن ما فجر الأزمة لم يكن فقط الجوهر، بل أيضاً الصياغة المرتبكة التي ظهر بها كلام ميرتس، ثم محاولات لاحقة لتوضيح المقصود. لكن النتيجة السياسية كانت قد وقعت بالفعل: الرقم صار في المجال العام، وبدأ يُقرأ في الداخل الألماني كوعْد كبير، وفي أوساط السوريين كرسالة تهديد، وفي دمشق كعبء دبلوماسي لا ضرورة له. وفي مثل هذه الملفات، لا يعود مهماً كثيراً من «قصد ماذا»، بل ما الذي فهمه الناس والفاعلون السياسيون من الكلام.
ولهذا لم يكن مستغرباً أن يتسع الجدل بسرعة، وأن تأتي الانتقادات ليس فقط من المعارضة، بل أيضاً من خبراء الاقتصاد وسوق العمل ومن أصوات داخل الائتلاف الحاكم. فالأرقام الكبيرة قد تبدو جذابة في الخطاب السياسي، لكنها تتحول بسرعة إلى فخ إذا لم تكن مدعومة بخطة قانونية وأمنية واقتصادية قابلة للتنفيذ.
لماذا كان الرقم خطيراً على ميرتس؟
الخطر هنا لا يتعلق فقط بحقوق السوريين أو بحساسية الملف الإنساني، بل أيضاً بالسياسة الداخلية الألمانية نفسها. فميرتس وصل إلى الحكم بخطاب أكثر تشدداً في الهجرة، وفي ظل صعود مستمر لليمين المتطرف ممثلاً في حزب «البديل من أجل ألمانيا». وفي هذا المناخ، يغدو أي خطاب عن «العودة» مغرياً انتخابياً، لأنه يبعث برسالة مباشرة إلى جمهور قلق من الهجرة ومقتنع بأن مرحلة اللجوء الاستثنائي يجب أن تنتهي. لكن المعضلة أن رفع السقف سياسياً يعني رفع سقف التوقعات أيضاً: فإذا تحدث المستشار عن 80 في المئة خلال ثلاث سنوات، فسوف يُحاسب عليه لاحقاً وكأنه وعد سياسي، لا مجرد جملة ملتبسة في مؤتمر صحافي.
لهذا بدا ارتباك المستشارية مفهوماً. فهي من جهة تريد إثبات أن «زمن الحرب انتهى» وأن مبررات الحماية يجب أن تُعاد دراستها، لكنها من جهة أخرى تعرف أن تحويل هذا التصور إلى سياسة جماعية سريعة أمر شديد الصعوبة. ولذلك عادت الحكومة لتقول إن السوريين في ألمانيا ليسوا كتلة واحدة، بل مجموعة شديدة التباين: بعضهم اندمج، بعضهم يعمل، بعضهم تجنس، وبعضهم ما زال في أوضاع قانونية هشة، بينما تبقى فئة المدانين جنائياً ملفاً منفصلاً تحاول برلين تقديمه كأولوية أولى. وهذا التفريق يكشف أن الخطاب العام عن «عودة السوريين» يخفي وراءه في الحقيقة سياسة فرز معقدة، لا سياسة جماعية موحدة.
السوريون في ألمانيا
ليسوا «ضيفاً مؤقتاً» فقط
الأرقام المتاحة تجعل أي حديث عن عودة جماعية سريعة أقرب إلى الشعار منه إلى الخطة. فبحسب أحدث بيانات استند إليها موقع Mediendienst Integration الإخباري من وزارة الداخلية الألمانية، كان يعيش في ألمانيا حتى 28 شباط/فبراير 2026 نحو 930.112 سوري. ومن بين هؤلاء كان نحو 713 ألفاً مصنفين كـ«باحثين عن الحماية» بنهاية 2024، بينما يملك آخرون إقامات لأسباب الدراسة أو العمل أو لمّ الشمل أو غير ذلك. كما أن العدد الإجمالي للسوريين تراجع قليلاً مقارنة بأيلول/سبتمبر 2025، ليس بسبب العودة فقط، بل أيضاً لأن كثيرين حصلوا على الجنسية الألمانية. أي أن جزءاً من الصورة التي يراها الرأي العام لم يعد دقيقاً: فالسوريون في ألمانيا اليوم ليسوا كلهم لاجئون بالمعنى القانوني نفسه، وليسوا جميعاً قابلين للإدراج تحت عنوان العودة.
بل إن التحول الأهم يتمثل في أن شريحة واسعة منهم دخلت بالفعل في قلب البنية الاقتصادية والاجتماعية الألمانية. فمعهد أبحاث سوق العمل والمهن IAB يبين أن معدلات العمل بين السوريين ترتفع بوضوح مع طول مدة الإقامة، وأن متوسط نسبة الاندماج في العمل يصل إلى 61 في المئة بعد سبع سنوات من الوصول. كما أن 62 في المئة من السوريين العاملين في وظائف خاضعة للتأمينات الاجتماعية يعملون في مهن تُصنف «أساسية للنظام العام»، وهي نسبة أعلى بكثير من مثيلتها بين الألمان. وهذا يعني أن النقاش لم يعد يدور فقط حول «عبء لجوء»، بل حول جماعة باتت جزءاً من تشغيل الاقتصاد اليومي والخدمات العامة.
وتزداد الصورة حساسية عند الانتقال من العموم إلى القطاعات. فمعهد الاقتصاد الألماني في كولونيا أكد قبل أيام أن أكثر من 260 ألف سوري كانوا يعملون في وظائف خاضعة للتأمينات الاجتماعية في آب/أغسطس 2025، وأن نحو 80 ألفاً منهم يعملون في مهن تعاني أصلاً نقصاً حاداً في العمالة. وتظهر الأهمية الخاصة للسوريين في النقل واللوجستيات والضيافة والخدمات الصحية. كما يشير المعهد إلى أن نحو 5.300 طبيب سوري كانوا يعملون كأطباء موظفين في ألمانيا ضمن فترة الدراسة التي اعتمدها، محذراً من أن عودتهم ستفاقم النقص في الرعاية الطبية. أما نقابة الأطباء الألمان فتُظهر أن عدد الأطباء السوريين الممارسين بلغ 7.042 في نهاية 2024، ما يجعلهم أكبر جنسية أجنبية داخل الجسم الطبي الألماني. هنا تحديداً ينهار الخط الفاصل بين «سياسة الهجرة» و«سياسة الدولة»: من يطالب بعودة واسعة، عليه أن يجيب أيضاً عن سؤال: من سيملأ الفراغ في المستشفيات ودور الرعاية وسلاسل النقل والخدمات؟
ولهذا لم يكن غريباً أن تخرج التحذيرات من خبراء الاقتصاد وسوق العمل بسرعة. فالمشكلة ليست فقط في احتمال خسارة اليد العاملة، بل في خسارة يد عاملة باتت مؤهلة أكثر بمرور الزمن، وبعضها انتقل من الأعمال الهامشية إلى وظائف تخصصية أو شبه تخصصية. بمعنى آخر، ألمانيا لا تناقش فقط خروج ناس، بل خروج خبرات استثمرت فيها اللغة والتأهيل والوقت.
دمشق تريد العائدين… لا المرحّلين
في المقابل، لا تبدو دمشق رافضة لعودة السوريين من حيث المبدأ، بل تعتبرها ضرورة وطنية واقتصادية. لكن الفارق جوهري بين منطق «العودة للمساهمة في إعادة البناء» ومنطق «الترحيل لتخفيف العبء عن ألمانيا». الشرع نفسه تحدث في برلين عن صيغة «هجرة دائرية» تتيح للسوريين، خصوصاً أصحاب الكفاءات، أن يشاركوا في إعادة بناء بلدهم من دون أن يخسروا الاستقرار الذي بنوه في ألمانيا. هذه الفكرة بحد ذاتها تقول الكثير: دمشق لا تتحدث هنا عن استقبال أفواج مرسلة دفعة واحدة، بل عن محاولة استعادة الطاقات والمهارات وربطها بمشروع إعادة الإعمار.
ولهذا جاء الرد السوري اللاحق حاداً وواضحاً. فبعد الجدل، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني رفض أي «محاولات للترحيل القسري»، مؤكداً أن السوريين في المهجر «موارد استراتيجية» لا عبء، وأن المطلوب هو تهيئة بيئة تسمح بعودة طوعية وآمنة وكريمه. وهذا الموقف يكشف أن دمشق، حتى وهي تسعى إلى إعادة مواطنيها، تدرك حساسية الظهور كطرف يطلب من ألمانيا ترحيل مئات الآلاف بسرعة، لأن ذلك قد يضرب صورتها الخارجية، ويصطدم بواقع داخلي لم يكتمل استقراره بعد. سوريا تريد أبناءها، نعم، لكنها تريدهم ضمن مسار إعادة بناء، لا ضمن صورة «شحن بشري» تُنتج هزة جديدة قد تدفع كثيرين إلى التفكير بالهجرة مرة أخرى، بحسب ما نشرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية.
فوق ذلك، ما زالت الحكومة الألمانية نفسها تربط أي عودة واسعة بمسائل لم تُحسم بعد: حماية الأقليات، الضمانات القانونية، مشاركة مختلف المكونات، وإتاحة الحيز السياسي والاجتماعي لكل الفئات. وقد شدد ميرتس علناً خلال الزيارة على ضرورة أن يكون «في سوريا الجديدة مكان لجميع السوريين» بغض النظر عن الدين أو الانتماء الإثني أو الجنس. وهذا مهم لأنه يعني أن برلين، في خطابها الرسمي، لا تستطيع أن تقول إن سوريا صارت جاهزة تماماً للعودة الجماعية، بينما تطالب في الوقت نفسه بإصلاحات وضمانات إضافية كشرط للاستقرار. هنا يظهر التناقض الذي جعل الجدل أكبر من مجرد سوء تفاهم لغوي: ألمانيا تريد أن تعتبر الحرب منتهية بما يكفي لبدء العودة، لكنها لم تصل بعد إلى مرحلة اعتبار سوريا مكتملة التعافي.
العقدة القانونية
التي لا يحلها خطاب سياسي
حتى لو افترضنا أن برلين قررت المضي أبعد في هذا المسار، فإن القانون نفسه يضع حدوداً واضحة. فالمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين BAMF يوضح أن سحب أو مراجعة صفة الحماية يتم عبر مسارات فردية، ويمكن الطعن فيه قضائياً. والأهم أن إسقاط الحماية لا يعني تلقائياً انتهاء الإقامة، لأن سلطات الأجانب هي التي تقرر لاحقاً ما إذا كان الشخص يستطيع البقاء على أساس قانوني آخر. وهذا يعني أن الطريق من شعار «العودة» إلى التنفيذ الإداري الفعلي طويل ومتعرج، ويمر عبر ملفات شخصية، ومحاكم، وسلطات محلية، واعتبارات عمل ودراسة وأسرة. أي أن السياسة تستطيع أن ترفع الشعارات، لكنها لا تستطيع تجاوز البنية القانونية بضربة واحدة.
لهذا يبدو أن ما قاله ميرتس في برلين كان، في أحد وجوهه، رسالة سياسية إلى الداخل أكثر مما كان برنامجاً تنفيذياً جاهزاً. لكنه في الوقت نفسه حمل مخاطرة كبيرة: إذ أرسل إشارة إلى السوريين بأن بقاءهم لم يعد مضموناً كما كان، من دون أن يقدم تصوراً عملياً متكاملاً لما بعد هذه الإشارة. وفي ملفات اللجوء، تكفي الإشارة أحياناً لتصنع خوفاً واسعاً، حتى لو تأخر القرار أو تبدل أو تعقد.
ماذا حققت الزيارة فعلاً؟
إذا أردنا تقييماً هادئاً للزيارة، فيمكن القول إنها نجحت دبلوماسياً وفشلت تواصلياً. نجحت لأن الشرع حصل من برلين على ما هو أهم من المجاملة: اعتراف سياسي عملي، دعم مالي، فتح قنوات اقتصادية، واندراج سوريا الجديدة في تصور ألماني أوسع للاستقرار وإعادة الإعمار. ونجحت أيضاً لأن ألمانيا أكدت أنها ترى في دمشق شريكاً لا يمكن تجاهله في ملفات الأمن الإقليمي والعودة وإعادة البناء. لكنها فشلت تواصلياً لأن اللحظة التي كان يفترض أن تُبرز هذا الاختراق تحولت إلى سجال ألماني داخلي حول «كم سيعود؟» و«من قال الرقم؟» و«هل هذه سياسة حكومية أم زلة لسان؟».
والأرجح أن هذا هو الدرس الأهم من الزيارة كلها: ملف السوريين في ألمانيا لم يعد مجرد ملف إنساني، لكنه لم يتحول أيضاً إلى ملف إداري بسيط يمكن حله برقم في مؤتمر صحافي. إنه اليوم ملف شديد الحساسية: حاجة سورية إلى الكفاءات والعائدين، وحاجة ألمانية إلى تقليل الضغط السياسي للهجرة من دون خسارة سوق العمل، وواقع قانوني وحقوقي يجعل أي خطوة جماعية واسعة محفوفة بالنزاع والمراجعة والطعن.
لهذا فإن زيارة الشرع إلى برلين لم تحسم سؤال العودة، بل كشفت تعقيده. لم تثبت أن مئات الآلاف من السوريين سيعودون قريباً، كما لم تثبت أنهم باقون جميعاً كما هم. ما فعلته فعلاً هو أنها نقلت النقاش من مستوى الشعارات العامة إلى مستوى الصفقة الصعبة: كم تحتاج سوريا من أبنائها؟ وكم تستطيع ألمانيا أن تتخلى عنهم؟ وبين السؤالين، خرج رقم «80 في المئة» كأنه عنوان المرحلة، ثم تحوّل بسرعة إلى دليل على أن السياسة، حينتستعجل الكلام قبل الخطة، قد تربك الحليف والخصم والرأي العام معاً. وفي هذا المعنى، لم تكن أزمة الزيارة في أن ميرتس قال كثيراً أو أن الشرع قال قليلاً، بل في أن الطرفين اقتربا من أكثر الملفات حساسية قبل أن يتفقا على اللغة التي تشرحه