برلين تدفع نحو سوريا مستقرة.. والاتحاد الأوروبي يفتح باب التجارة وعودة اللاجئين

الثلاثاء, 12 مايو - 2026
الاتحاد الاوربي
الاتحاد الاوربي


في برلين، لا يقرأ قرار الاتحاد الأوروبي إعادة تفعيل اتفاقية التعاون التجاري مع سوريا كخطوة اقتصادية فقط، بل كجزء من نقاش ألماني شديد الحساسية حول مستقبل نحو مليون سوري يعيشون في البلاد، ودورهم المحتمل في إعادة إعمار وطنهم، وحدود الحديث السياسي عن عودتهم.
فقد قرر الاتحاد الأوروبي، الاثنين، إعادة تفعيل اتفاقية التعاون التجاري مع سوريا، في خطوة تهدف إلى دعم استقرار البلاد التي مزقتها الحرب، وفتح الطريق أمام تعاف اقتصادي قد يساعد، على المدى البعيد، في تهيئة شروط عودة اللاجئين السوريين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي.
وبحسب مجلس الاتحاد الأوروبي، فإن القرار ينهي التعليق الجزئي لاتفاق التعاون مع سوريا، الذي فرض عام 2011 ردا على انتهاكات حقوق الإنسان في عهد بشار الأسد.
وبحسب الموقع الرسمي للمفوضية الأوروبية، فقد جاء القرار في لحظة سياسية مهمة بالنسبة لألمانيا تحديدا. فبرلين هي الدولة الأوروبية التي استقبلت العدد الأكبر من السوريين خلال سنوات الحرب، وأصبح ملف عودتهم جزءا من النقاش الداخلي حول الهجرة والاندماج وسوق العمل وصعود اليمين المتطرف.
قالت المفوضية الأوروبية إن القرار يبعث “رسالة سياسية واضحة” تؤكد التزام الاتحاد الأوروبي باستئناف الحوار مع سوريا ودعم تعافيها الاقتصادي
وقالت المفوضية الأوروبية إن القرار يبعث “رسالة سياسية واضحة” تؤكد التزام الاتحاد الأوروبي باستئناف الحوار مع سوريا ودعم تعافيها الاقتصادي.
وتزامنت الخطوة مع اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، لبدء حوار سياسي رفيع المستوى، بعد مرور عام ونصف عام على سقوط بشار الأسد.
ألمانيا في قلب المعادلة
تولي برلين أهمية خاصة لاستقرار سوريا، ليس فقط من زاوية السياسة الخارجية، بل أيضا بسبب الوجود السوري الواسع داخل ألمانيا.
فالحكومات الألمانية المتعاقبة تعاملت مع السوريين خلال سنوات الحرب بوصفهم أكبر مجموعة لاجئين عربية في البلاد، لكن النقاش تغير بعد سقوط الأسد، وبدأت أسئلة العودة وإعادة الإعمار تفرض نفسها بقوة.
وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس قد أعلن، خلال استقباله الرئيس السوري أحمد الشرع في برلين في آذار/مارس الماضي، أن ألمانيا ستعمل مع سوريا في ملف عودة اللاجئين، مؤكدا أن السوريين سيكون لهم دور مهم في إعادة بناء بلدهم.
وذكرت رويترز أن ميرتس تحدث عن تعاون ألماني ـ سوري في هذا المجال، في سياق برنامج للعودة وإعادة الإعمار.
لكن تصريحات ميرتس أثارت جدلا واسعا عندما تحدث عن احتمال عودة 80 في المئة من السوريين خلال ثلاث سنوات. وبعد الانتقادات، أوضح المستشار الألماني أن هذا الرقم ورد على لسان الرئيس السوري، وأن برلين تدرك حجم المهمة وصعوبتها.
بروكسل تفتح الباب.. ولكن بشروط
بالنسبة للاتحاد الأوروبي، لا يعني الانفتاح على دمشق العودة إلى علاقات طبيعية بلا شروط.
فالمفوضة الأوروبية لشؤون البحر المتوسط دوبرافكا سويكا أكدت أن هدف الاتحاد الأوروبي هو دعم سوريا، لكنها شددت على أن أي تقدم أوسع في العلاقة مع دمشق سيتوقف على تنفيذ “إصلاحات جوهرية”.
وتطالب بروكسل، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس، بضمان مشاركة جميع السوريين في القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد، وإدارة شفافة للمال العام، إضافة إلى التزام واضح بسيادة القانون والعدالة خلال المرحلة الانتقالية.
وتريد المفوضية الأوروبية الذهاب أبعد من إعادة تفعيل التعاون التجاري، عبر بدء مفاوضات حول اتفاقية شراكة أكثر طموحا، على غرار الاتفاقيات التي أبرمها الاتحاد الأوروبي مع دول أخرى في المنطقة مثل مصر وإسرائيل ولبنان.
لكن هذا المسار سيبقى مرتبطا بقدرة الحكومة الانتقالية في دمشق على إقناع الأوروبيين بأنها تسير نحو انتقال سياسي أكثر شمولا وشفافية.
من القطيعة إلى المصالح المشتركة
كان الأوروبيون قد علقوا تعاونهم مع سوريا عام 2011 بسبب القمع وانتهاكات حقوق الإنسان في عهد الأسد.
وقبل ذلك التعليق، بلغ حجم التبادل التجاري بين سوريا والاتحاد الأوروبي نحو 7 مليارات يورو.
لكن الحرب والعقوبات والانهيار الاقتصادي خفضت العلاقة التجارية إلى مستويات متواضعة جدا. ففي عام 2023 بلغت واردات الاتحاد الأوروبي من سوريا 103 ملايين يورو فقط، مقابل صادرات أوروبية إلى سوريا بقيمة 265 مليون يورو.
ووفقا لمجلس الاتحاد الأوروبي، فإن إعادة تفعيل الاتفاق تمثل خطوة نحو تعزيز العلاقات الثنائية مع سوريا، كما تعيد العمل بإطار قانوني للتعاون الاقتصادي والتجاري كان قد شل جزئيا منذ عام 2011.
ويشمل ذلك رفع قيود مرتبطة ببعض الواردات السورية التي كانت خاضعة للتعليق، بينها منتجات نفطية ومعادن ثمينة.
ألمانيا بين حاجة سوريا وخوف الداخل
في ألمانيا، لا يمكن فصل هذا التطور عن المشهد السياسي الداخلي.
فملف اللاجئين السوريين حاضر في الحملات الانتخابية، وفي صعود حزب البديل من أجل ألمانيا، وفي نقاشات البلديات وسوق العمل والمدارس والسكن. لذلك تبدو برلين معنية بأن يكون الانفتاح الأوروبي على دمشق منظما، لا متسرعا.
ملف اللاجئين السوريين حاضر في الحملات الانتخابية، وفي صعود حزب البديل من أجل ألمانيا، وفي نقاشات البلديات وسوق العمل والمدارس والسكن
فالعودة الواسعة للسوريين قد تبدو مطلبا سياسيا لدى بعض التيارات الألمانية، لكنها تصطدم بواقع أكثر تعقيدا.
فقد اندمج مئات الآلاف من السوريين في ألمانيا خلال السنوات الماضية، ودخل كثيرون منهم سوق العمل، وحصل آخرون على الجنسية أو إقامات طويلة الأمد.
كما أن قطاعات مثل الصحة والخدمات تعتمد على جزء من اليد العاملة السورية.
وهذه النقطة تمنح برلين هامشا مختلفا عن دول أوروبية أخرى، فهي لا تريد فقط عودة اللاجئين، بل تبحث عن صيغة تربط السوريين المقيمين في ألمانيا بإعادة إعمار بلدهم، سواء عبر العودة الكاملة أو المؤقتة أو الاستثمار أو نقل الخبرات.
العودة ليست قرارا إداريا
رغم الضغط السياسي، تؤكد بروكسل أن عودة اللاجئين يجب أن تكون “آمنة وطوعية وكريمة”.
وبحسب وكالة فرانس برس، شدد مسؤول أوروبي على أنه لا مجال لإجبار السوريين على العودة.
أما وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني فقال إن اللاجئين يمكنهم العودة إلى ديارهم “إذا ما رأوا أن الظروف مواتية”.
وهذه العبارة الأخيرة تكشف جوهر المعضلة، فالسوريون لن يعودوا فقط لأن بروكسل فتحت اتفاقا تجاريا، أو لأن برلين تريد تخفيف الضغط عن نظام الهجرة.
فالعودة تحتاج إلى أمن وسكن وفرص عمل وخدمات وضمانات قانونية وسياسية، خصوصا في بلد خرج من أكثر من 13 عاما من الحرب.
كما أن الوضع الإنساني ما زال بالغ الصعوبة.
فبحسب المسؤول الأوروبي الذي نقلت عنه وكالة فرانس برس، يحتاج نحو 13 مليون سوري، أي ما يقارب نصف السكان، إلى مساعدات غذائية.
وكان الاتحاد الأوروبي قد تعهد في كانون الثاني/يناير بتقديم 620 مليون يورو كمساعدة مالية لسوريا خلال عامي 2026 و2027.
وبحسب القناة الإخبارية الألمانية الثانية، فإن القرار الأوروبي لا يعني أن سوريا عادت إلى وضع طبيعي، لكنه يقول إن مرحلة القطيعة الكاملة بدأت تتراجع.
وبالنسبة لألمانيا، فإن السؤال لم يعد فقط: متى يعود السوريون؟ بل: أي سوريا سيعودون إليها، وبأي ضمانات، ومن سيدفع ثمن إعادة بنائها؟