نيويورك تايمز: سوريا ومعضلة تحقيق العدالة الانتقالية بين مطالب الضحايا والحفاظ على السلم الأهلي

الجمعة, 4 سبتمبر - 2026
صورة لأمجد يوسف وهو يعدم احد المدنيين في حفرة التضامن
صورة لأمجد يوسف وهو يعدم احد المدنيين في حفرة التضامن


نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقرير للصحافية رجا عبد الرحيم من دمشق قالت فيه إنه عندما انتهت حقبة دكتاتورية عائلة الأسد التي استمرت لأكثر من خمسة عقود في عام 2024، تطلع السوريون الذين كانوا ضحايا لجرائم النظام، ولا سيما خلال الحرب الأهلية التي استمرت قرابة 14 عاما إلى تحقيق مساءلة سريعة.
وتوقع كثيرون أن تقوم الحكومة الجديدة بجمع أدلة عمليات القتل الجماعي في أماكن مثل حي التضامن واستخدامها في الملاحقات القضائية.
غير أن مقاتلي المعارضة الذين أطاحوا بالرئيس بشار الأسد وتولوا السلطة سعوا إلى الموازنة بين العدالة والسلام، خشية أن تؤدي محاولة محاسبة كل المتورطين في جرائم الحرب إلى إشعال فتيل صراع أهلي جديد.
وكانت إحدى الخطوات الأولى التي اتخذها الرئيس الجديد، أحمد الشرع، هي الإعلان عن عفو عام يشمل الجنود العاديين من عهد الأسد، مع التعهد في الوقت ذاته بملاحقة من “تلطخت أيديهم بالدماء”، أي أولئك الذين تورطوا بشكل مباشر في ارتكاب الفظائع. وقد هدفت هذه الخطوة إلى إعادة الهدوء إلى البلاد، لكنها أثارت غضب الكثيرين الذين أكدوا أنهم لن يغفروا أبدا.
وفي العام الماضي، شكلت الحكومة هيئة مستقلة أطلقت عليها اسم “اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية” للإشراف على مسار العدالة الانتقالية.
وقال عبد الباسط عبد اللطيف، رئيس اللجنة، إن التحدي الأكبر “يكمن في الموازنة بين القانون والمساءلة من جهة، والسلم الأهلي والمصالحة الوطنية من جهة أخرى”. وأضاف: “إذا قلت في سوريا سأحاكم مليون شخص، فأنت تقول عمليا: دعونا نخض حربا أهلية أخرى”.
وأشار عبد اللطيف وآخرون مشاركون في هذه العملية إلى أن السلطات السورية ستحتاج إلى طرح خيارات العفو والمصالحة فيما يتعلق بالعديد من الجرائم التي ارتكبت خلال الحرب الأهلية.
وقال إن الملاحقات القضائية يجب أن تركز على الانتهاكات الأكثر فظاعة، مثل استخدام النظام السابق للأسلحة الكيميائية وعمليات التعذيب والإعدام المستشرية في سجونه والمجازر التي ارتكبها.
وبحسب أرقام الأمم المتحدة، لقي ما لا يقل عن 580,000 شخصا حتفهم خلال الحرب، مع أن المنظمة الدولية حذرت من أن هذا الرقم غير مكتمل نظرا لصعوبة تتبع أعداد الضحايا أثناء النزاع.
 وعند سقوط حكومة الأسد، أُطلق سراح أكثر من 24,000 سجين، وهو عدد أقل بكثير مما توقعه الكثيرون، مما يشير إلى أن العديد من المفقودين السوريين، الذين يُقدر عددهم بـ140,000، ربما ماتوا في سجون النظام أو في أماكن أخرى.
وتوقع عبد اللطيف أن تمنح الملاحقات القضائية السوريين شعورا بالارتياح، لكنه استدرك قائلا: “إذا لم تتحقق العدالة والمحاسبة، ولم يحاكم كبار المجرمين ويلاحقوا قضائيا على المجازر التي ارتكبوها، فسنظل ندور في دوامة من الانتقام”.
إن النهج الذي يدعو إليه والذي يجمع بين الملاحقات القضائية وجهود المصالحة وجبر الضرر، ينطوي على عملية طويلة ومعقدة، وقد بدأ العديد من السوريين بالفعل في التساؤل عن مدى التزام الحكومة بتحقيق العدالة.
وفي الأشهر الأخيرة، تزايدت مساعي بعض السوريين للانتقام ممن يتهمونهم بالتعاون مع النظام المخلوع أو التورط في جرائم مرتبطة به حيث تصاعدت حوادث القتل الغوغائي (القصاص الشعبي) والضرب وأعمال التخريب. كما ظهرت أسماء من يزعم أنهم من “الشبيحة” مكتوبة على جدران دمشق ووزعت منشورات في أنحاء البلاد تهدد مخبري النظام وغيرهم ممن تورطوا في انتهاكاته.
وقد خطت الجهود الرسمية لتحقيق العدالة خطوة إلى الأمام الشهر الماضي، حين أدانت محكمة سورية الأسد وثمانية آخرين بتهم القتل والتعذيب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وحكمت عليهم جميعا بالإعدام. والجدير بالذكر أن شخصا واحدا فقط منهم، وهو عاطف نجيب، ابن خالة الأسد، يقبع حاليا في الحجز داخل سوريا، بينما يعيش الأسد نفسه في المنفى في روسيا.
وقد قوبلت هذه الأحكام، وهي الأولى من نوعها في سوريا والمتعلقة بفترة الحرب، باحتفالات داخل قاعة المحكمة وفي الشوارع في جميع أنحاء البلاد. وفي المقابل، أثار خبراء حقوقيون تساؤلات حول مدى عدالة وشفافية هذه الإجراءات القضائية.
وبصفته الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا الجنوبية، وجهت إلى نجيب تهمة الإشراف على اعتقال وتعذيب تلاميذ مدارس بسبب كتابتهم شعارات سياسية على الجدران، وكذلك استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين. وعندما أُدخل إلى قاعة المحكمة مرتديا زي السجن المخطط وموضوعا داخل قفص كبير، انهالت عليه صيحات السخرية والاستهزاء من عائلات الضحايا وآخرين، وتعالت الهتافات محذرة “كلاب الأسد” بأن عليهم أن يشعروا بالخوف.
وقال أنور البني، المحامي السوري ومؤسس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، في ذلك الوقت: “إنها عدالة استعراضية أكثر من كونها عدالة انتقالية”.
وبعيدا عن الطابع الاستعراضي للمشهد، شكك خبراء حقوق الإنسان أيضا في مدى استعداد الحكومة لإجراء محاكمتها الأولى، إذ لا تزال سوريا بصدد بناء نظام قانوني جديد وتعمل على تشكيل فرق للطب الشرعي وتدريب القضاة وسن قوانين تغطي الجرائم المرتكبة خلال الحرب.
وذكرت هبة زيادين، الباحثة الأولى في منظمة “هيومان رايتس ووتش” والمعنية بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا، أن المحكمة التي أدانت المتهمين التسعة الأوائل، والتي تحاكم الآن آخرين، قد استندت إلى القانون الدولي كأساس للإجراءات. ومع ذلك، أشارت إلى أن التطبيق السليم للقانون الدولي ليس بالأمر السهل، ويضع عبئا ثقيلا على كاهل القضاة، مضيفة أن “عمليات العدالة الانتقالية الناجحة تتطلب سنوات لبنائها بشكل سليم”.
وقالت زهرة البرازي، نائبة رئيس اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية ومستشارة في وزارة الخارجية السورية، إن أحد أكبر التحديات التي ستواجه قادة البلاد هو إقناع الضحايا وعائلاتهم بقبول بدائل عن الملاحقات الجنائية. وقد يتضمن ذلك نهجا مشابها لتجربة “لجنة الحقيقة والمصالحة” في جنوب أفريقيا -التي أُنشئت بعد انتهاء نظام الفصل العنصري- أو تقديم تعويضات عن المعاناة. وأضافت: “لا يمكننا سجن نصف مليون سوري؛ فهذا لا يؤدي إلى تمكين السوريين من العيش معا”.
وبالنسبة لبعض السوريين، تتجسد حالة التوتر بين العدالة والمصالحة في قضية فادي صقر، الذي قاد سابقا “قوات الدفاع الوطني”، وهي ميليشيا موالية للأسد، في دمشق. وقد اتهمه بعض السوريين بالتورط في المجزرة التي ارتكبتها تلك القوات بحق مدنيين في حي التضامن.
من جانبه، نفى صقر مسؤوليته عن ذلك، مؤكدا أنه عين لقيادة الميليشيا بعد وقوع المجزرة.
وعمل صقر مع “لجنة السلم الأهلي”، وهي هيئة حكومية تهدف إلى تخفيف حدة الانقسامات الداخلية في سوريا وتعزيز العدالة الانتقالية. وكانت الحكومة تأمل أن يساهم صقر الذي ينتمي إلى الأقلية العلوية، في جهود المصالحة بين مختلف الأقليات، إلا أن مشاركته أثارت موجة عارمة من الاستياء والجدل بين بعض السوريين.
وعندما زار صقر حي التضامن العام الماضي برفقة مسؤولين أمنيين من الحكومة الجديدة، احتجت السكان، معتبرين أنه يجب أن يكون في السجن ويواجه المحاكمة.
وبعد مرور أكثر من عام على تلك الزيارة، وصل أخيرا فريق حكومي للدفاع المدني إلى الحي لجمع العظام ونبش إحدى المقابر الجماعية، وذلك لجمع أدلة محتملة قد تستخدم في الملاحقات القضائية. ويقول السكان إنهم يعتقدون بوجود جثث أخرى كثيرة لا تزال مدفونة هناك.
ولا يزال أطفال الحي يعثرون على المزيد من الرفات، ويقول السكان إن أحدا من الحكومة لم يعد لاستلامها أو جمعها.
أما الحفرة الكبيرة التي خلفها نبش المقبرة، فبقيت ماثلة كجرح مفتوح وغائر.