هل يمكن منع صراع إسرائيلي تركي في سوريا؟

الجمعة, 4 سبتمبر - 2026
الرئيس التركي رجب طيب أوردغان والرئيس السوري احمد الشرع ورئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو
الرئيس التركي رجب طيب أوردغان والرئيس السوري احمد الشرع ورئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو


البروفسور إيلي فوداوإيتان يشاي
لم يكن الحديث بين رئيسٍ في الموساد ووزير الخارجية السوري بالأمر الهين. فبعد أيامٍ قليلة من مكالمة هاتفية بينهما، أجرى الاثنان مكالمة فيديو في محاولةٍ لتهدئة التوترات عقب الهجوم الإسرائيلي على قاعدة أبو الظهور الجوية شمال غرب سوريا. ووفقًا لإسرائيل، كانت تركيا تعتزم نشر رادارات وطائرات مسيرة، ولاحقًا أنظمة دفاع جوي وأفراد عسكريين في القاعدة. ونفت دمشق وأنقرة وجود أي خطط لوجود تركي دائم فيها.
يعكس هذا الحادث القلق المتزايد في إسرائيل إزاء تنامي التدخل التركي في سوريا. فقد أصبحت أنقرة بالفعل أحد أهم شركاء الحكومة السورية الجديدة. تُساهم تركيا في إعادة بناء الجيش السوري، من خلال تدريب الضباط والجنود، والاستثمار في البنية التحتية، ساعيةً بذلك إلى تحويل انخراطها الطويل الأمد في سوريا إلى نفوذ إقليمي. من وجهة نظر إسرائيل، فإن نشر أنظمة رادار ودفاع جوي تركية الصنع متطورة قد يُقلل من حرية عمل القوات الجوية في سوريا ولبنان، ويُصعّب مواجهة التعزيزات الإيرانية المتجددة أو نقل الأسلحة إلى حزب الله.
بالطبع، لا يُمكن تجاهل هذه المخاوف. فالتدخل العسكري التركي في سوريا واقعٌ قائم، ويتزامن مع تدهور حاد في العلاقات بين تركيا وإسرائيل. لا يُمكن لإسرائيل أن تقف مكتوفة الأيدي أمام احتمال قيام قوة إقليمية تتخذ موقفًا عدائيًا تجاهها بأنشاء قدرات عسكرية متطورة في سوريا. مع ذلك، حتى المخاوف المُبررة قد تُؤدي إلى سوء تقدير ورد فعل مُفرط، ما قد يُفضي إلى تدهور غير مرغوب فيه. يسود اعتقاد في إسرائيل بأن النظام السوري الجديد قد خضع لمصالح أردوغان ورغباته، لكن هذا بعيد كل البعد عن الواقع.
سوريا مهتمة بتنويع علاقاتها
يتمتع النفوذ التركي على دمشق بأهمية كبيرة، ولكنه ليس مطلقًا. يحرص الرئيس أحمد الشرع على توطيد العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج وغيرها من القوى الإقليمية والدولية، وذلك لتجنب الاعتماد المفرط على أنقرة. صحيح أن سوريا بحاجة إلى مساعدة تركيا، لكن هذا لا يعني أنها تسعى لأن تصبح تحت حمايتها.
في الواقع، تشير رغبة دمشق في إجراء محادثات مع إسرائيل إلى رغبتها في تنويع علاقاتها والحفاظ على مساحة عمل مستقلة. علاوة على ذلك، فإن عدم إنكارها للاتصالات بين البلدين يدل على أنها لا ترى أي خطأ أو خلل في العلاقة مع إسرائيل يستدعي التكتم.
لذا، ينبغي إسرائيل تجنب تفسير أي تعاون عسكري بين تركيا وسوريا على أنه دليل على أن الأخيرة تتحول إلى واجهة لأردوغان. إن مثل هذا النهج، الذي ينظر إلى علاقات البلدين من منظور لعبة محصلتها صفر، قد يؤدي في الواقع إلى تصعيد الموقف. من الأهمية بمكان التمييز بين وجود تهديد حقيقي والتلاعب السياسي. تكمن المشكلة في أن معظم العامة لا يطلعون على المعلومات الاستخباراتية، ولذلك يعجزون عن التمييز بين الأمرين.
وبعيدًا عن المسألة السياسية، الهجوم على سوريا يعكس تناقضًا في السياسة الإسرائيلية. فالحكومة الحالية ليست مهتمة بتعزيز الحكومة المركزية في سوريا، انطلاقًا من افتراضها أن سوريا الضعيفة والمنقسمة تمنح إسرائيل حرية أكبر في العمل وتمنع عودة التهديد من الشمال. وعلى المدى القصير، يمنح الضعف السوري المحدود إسرائيل مزايا تكتيكية، كما سمح لها بالاستيلاء على أراض إضافية تحت ستار الأمن.
لكن المصلحة تكمن على المدى البعيد في وجود دولة سورية مستقرة بنظام واضح المعالم، يسيطر على أراضيه، ويكبح جماح التنظيمات المسلحة، ويحارب شبكات التهريب، ويمنع إيران وحزب الله من إعادة بناء وجودهما. ولن يتحقق كل هذا إلا إذا استقر النظام السوري وأصبح جيشه قويًا للدفاع ضد التهديدات الداخلية والخارجية. ولن تستفيد إسرائيل من استمرار الفوضى أو من حكومة سورية تعتمد عليها كليًا في تركيا من أجل بقائها.
الآلية التي ستُنهي المفاوضات مع سوريا
تُبرز الأزمة المُحيطة بالهجوم على القاعدة الخطر الكامن في العمل دون آليات مُتفق عليها للتحقق من المعلومات والاتصالات، إذ قد يُفسر الطرف الآخر حتى التدابير الدفاعية أو الإجراءات الوقائية على أنها تمهيد للعدوان.
منذ وصول الشرع إلى السلطة، جرى تبادل العديد من الرسائل بين إسرائيل وسوريا، إما بشكل مباشر أو عبر الولايات المتحدة. كما عُقدت اجتماعات لتعزيز اتفاقية أمنية، إلا أن إسرائيل أوقفتها، على الأقل هذا ما يدّعيه السوريون.
لذا، من الممكن إنشاء آلية ثلاثية أو رباعية الأطراف بين إسرائيل وسوريا وتركيا والولايات المتحدة، يكون دورها منع الاحتكاكات العسكرية، والإنذار المُبكر بالانتشارات والتدريبات، وتوضيح الخطوط الحمراء، وإدارة الأزمات بشكل عام. يُمكن لواشنطن أيضاً المُساعدة في التحقق من المعلومات المُثيرة للجدل وتقديم ضمانات للأطراف الثلاثة. تُشير قنوات الاتصال القائمة بين إسرائيل وتركيا والحوار المُتنامي بين إسرائيل وسوريا إلى وجود أسس لمثل هذه الآلية.
ينبغي لهذا الإطار أن يُكمّل، لا أن يحل محل المفاوضات بين إسرائيل وسوريا بشأن الترتيبات الأمنية، واستقرار جنوب سوريا، ووضع قواعد سلوك مشتركة. لا يبدو السلام أو التطبيع مع سوريا وشيكاً، لكن من المؤكد أن اتفاقية عدم اعتداء باتت في المتناول.
لا يجب أن تتحول سوريا إلى ساحة لتنافس إسرائيل وتركيا الأوسع. لقد أثبت قرار العودة إلى الحوار بعد الهجوم على أبو الظهور أن التصعيد ليس أمراً حتمياً. يكمن التحدي الآن في تحويل دبلوماسية الأزمات الارتجالية إلى آلية تنسيق مستقرة ومستمرة. علاوة على ذلك، في ضوء التحالفات الجديدة التي تُعقد في المنطقة، مثل “اتفاق مكة” بين السعودية وباكستان وتركيا، فإن أي تحرك إسرائيلي في سوريا – سواء كان ذلك في إطار بناء إطار تنسيقي أو توقيع اتفاقية عدم اعتداء – قد يُظهر مرونةً وإبداعاً في الاستعدادات الإقليمية لما بعد 7 أكتوبر.