ملف اللجوء السوري في تركيا.. تحولات إدارية وتداعيات على الأرض

بثينة الخليل
السبت, 3 أكتوبر - 2026

دخل ملف اللجوء السوري في تركيا، منذ التحولات السياسية والميدانية التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024، مرحلة تنظيمية جديدة تتداخل فيها اعتبارات العودة الطوعية مع واقع الأسر التي اختارت البقاء في تركيا لأسباب معيشية ومهنية وتعليمية. وأفرز هذا الواقع أنماطاً جديدة من التشتت الأسري، إذ توزعت بعض العائلات بين الداخل السوري وتركيا، فيما بقي أفراد الأسرة الواحدة أحياناً تحت أوضاع قانونية مختلفة.

وتظهر هذه التحولات بوضوح في حالة عائلة كمال الحمود، الذي اضطر إلى العودة إلى مدينة دير الزور بعد استقرار الأوضاع فيها، فيما بقي أحد أبنائه مع أسرته في تركيا بسبب ارتباطه بالعمل، واستمر في إرسال الأموال إلى سوريا للمساهمة في إعادة بناء منزل العائلة الذي تعرض للسلب وأصبح هيكله الأساسي قائماً من دون استكمال أعمال البناء، إضافة إلى بقاء ابن آخر في تركيا.

وتشير البيانات الرسمية التركية إلى استمرار انخفاض أعداد السوريين المسجلين ضمن نظام الحماية المؤقتة خلال الفترة الأخيرة، بالتزامن مع ارتفاع أعداد العائدين إلى سوريا. وتبقى الأرقام المتعلقة بالعودة وأعداد الحاصلين على الحماية المؤقتة مرتبطة بتاريخ الإحصاء وطريقة احتساب الحالات، لذلك ينبغي اعتماد البيانات الصادرة مباشرة عن رئاسة إدارة الهجرة التركية عند تحديد الرقم النهائي للمادة.

وتواجه الأسر السورية التي بقيت في تركيا في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بوضع الحماية المؤقتة، والعناوين السكنية، والتنقل بين الولايات، والعمل، والأحوال الشخصية، إلى جانب تعقيدات تواجه العائلات التي أصبح أفرادها موزعين بين تركيا وسوريا.

وتنص القواعد الرسمية للحماية المؤقتة على أن حاملي بطاقة الحماية المؤقتة يمكنهم الاستفادة من الخدمات الصحية والتعليمية وفق القواعد المعمول بها، كما يمكنهم التقدم للحصول على إذن عمل أو وثيقة إعفاء من إذن العمل بعد مرور ستة أشهر على إصدار بطاقة الحماية المؤقتة. كما أن بطاقة الحماية المؤقتة لا تمنح صاحبها حق الانتقال إلى الإقامة طويلة الأمد. 

الوضعيات القانونية داخل الأسرة الواحدة

توضح المواطنة السورية بثينة الخليل، المقيمة مع عائلتها في منزل واحد، حجم التباين في الأوضاع القانونية داخل الأسرة، قائلة:

"نحن عائلة واحدة نعيش ونسكن في منزل واحد، فكيف يكون الوضع القانوني لكل منا مختلفاً عن الآخر؟ أنا أملك إقامة سياحية، بينما والدتي تحمل بطاقة حماية مؤقتة ومقيدة أصولاً، ولدي شقيقان يحملان الجنسية التركية؛ هذا التباين الشديد في صفاتنا القانونية يهدد استقرارنا وبقاءنا معاً في تركيا."

وتعكس هذه الحالة جانباً من تعقيدات الأسر التي تجمع داخل المنزل الواحد بين الجنسية التركية والإقامة بمختلف أنواعها والحماية المؤقتة، وهو ما يجعل القرارات المتعلقة بالسكن والتنقل والعمل والسفر مرتبطة بالوضع القانوني لكل فرد على حدة.

الالتزامات المهنية والمعيشية

وتشرح زهرة اللادقاني، المقيمة في مرسين، معضلة توزيع الالتزامات بين تركيا وسوريا، مشيرة إلى أنها تحمل الجنسية التركية، بينما يحمل زوجها بطاقة الحماية المؤقتة، ويحمل ابنهما الجنسية التركية.

وتقول زهرة:

"كنت معلمة سابقة وعملي مرتبط باللاذقية، بينما يعمل زوجي هنا في تركيا كمعلم بمدينة مرسين. لا يمكنني ترك مقر عملي والنزول للعيش في سوريا بمفردي لأن ارتباطي بمرسين أساسي مع زوجي، وفي الوقت ذاته المعيشة غالية جداً ولا يمكن لدخل شخص واحد أن يكفي الأسرة وحدها، مما يضعنا أمام خيارات بالغة الصعوبة."

وتوضح هذه الحالة أن قرار العودة لا يرتبط دائماً بالرغبة الشخصية، بل يتأثر بمكان العمل ومصدر الدخل ووضع الزوج والأبناء والالتزامات التعليمية والمعيشية.

تقاطع المصالح الاقتصادية والتعليمية

ويعكس أحمد المحمد، المقيم في مرسين والمنحدر من إدلب، وضع الأسر المرتبطة بمصالح اقتصادية وتعليمية في تركيا، قائلاً:

"لدي شركة في مرسين، وقد نزل العمال التابعون لها إلى إدلب، لكني لا أستطيع النزول بشكل كامل لأن وضعي القانوني يعتمد على إقامة سياحية، ولدي ابنتان جامعيتان تحملان الجنسية التركية، بينما تحمل زوجتي بطاقة الحماية المؤقتة. فنحن لسنا قادرين على البقاء هنا باستقرار، ولا قادرين على العودة والنزول بشكل نهائي.. فأين الحل؟"

وتكشف هذه الحالة عن تعقيد إضافي يتمثل في ارتباط الأسرة بمصالح اقتصادية وتعليمية متوزعة بين البلدين، في وقت تختلف فيه الصفة القانونية لأفراد الأسرة الواحدة.

التحديات التنظيمية والإدارية لبطاقة الحماية المؤقتة

تتركز أبرز التحديات التي يواجهها السوريون في تركيا في مجموعة من الإجراءات المرتبطة بتحديث البيانات والعناوين السكنية والتنقل والعمل، إلى جانب الإجراءات الخاصة بالحماية المؤقتة.

وتسمح السلطات التركية لحاملي الحماية المؤقتة بالتنقل وفق القواعد والإجراءات المحددة، فيما تشير رئاسة إدارة الهجرة إلى أن بطاقة الحماية المؤقتة قد تُلغى عند الخروج من تركيا، باستثناء الحالات التي تتم بموجب الأذونات الرسمية الصادرة عن إدارة الهجرة. 

كما تفرض السلطات قيوداً على تسجيل العناوين الجديدة في بعض المناطق، في إطار سياسات تتعلق بالكثافة السكانية وتوزيع الأجانب، الأمر الذي ينعكس على قدرة بعض الأسر على تغيير مكان إقامتها أو تنظيم أوضاع أفرادها.

وتتداخل هذه الإجراءات مع الوصول إلى الخدمات والعمل والتعليم، خصوصاً لدى الأسر التي تضم أفراداً يحملون أوضاعاً قانونية مختلفة.

الإطار القانوني للحماية المؤقتة واستقرار الأسرة

وفي قراءة قانونية لتداعيات هذه التحولات، قال المحامي السوري المجنّس وسيم قصاب باشي، المختص بقانون الأجانب في تركيا، والحاصل على دكتوراه في القانون الدولي، إن حاملي بطاقة الحماية المؤقتة لا يمكن إنهاء وضعهم القانوني بصورة فردية خارج الحالات التي يحددها القانون.


وأوضح قصاب باشي:

"بالنسبة إلى حملة الكملك، لا يمكن سحب الكملك منهم إلا بحالات حددها القانون، ولا يمكن سحبها بشكل جماعي."

المحامي وسيم قصاب باشي، المختص بقانون الأجانب في تركيا

ويستند نظام الحماية المؤقتة في تركيا إلى المادة 91 من قانون الأجانب والحماية الدولية رقم 6458، وإلى نظام الحماية المؤقتة الصادر عام 2014. وتوضح رئاسة إدارة الهجرة التركية أن بدء الحماية المؤقتة وإنهاءها العام يتم بقرار من رئيس الجمهورية، فيما ينظم النظام الحالات والإجراءات المتعلقة بإنهاء الحماية بصورة فردية. 

وأشار قصاب باشي إلى أن التشريعات المتعلقة بالأجانب والحماية الدولية تراعي استقرار الأسرة، ولا سيما ما يتعلق بمصلحة الأطفال، مضيفاً أن القانون التركي يتضمن حالات يمكن فيها منح الإقامة الإنسانية في ظروف استثنائية وإنسانية محددة.

وتنص المادة 46 من قانون الأجانب والحماية الدولية رقم 6458 على إمكانية منح الإقامة الإنسانية في حالات محددة، من بينها الحالات التي تكون فيها مصلحة الطفل موضع اعتبار، أو وجود ظروف استثنائية أو حالات إنسانية تحول دون إمكانية الحصول على نوع آخر من الإقامات، على أن تخضع العملية للموافقات والإجراءات المنصوص عليها قانوناً. 

وأوضح قصاب باشي أن نظام الحماية المؤقتة والإقامة الإنسانية يمثلان وضعين قانونيين مختلفين، وأن الانتقال من أحدهما إلى الآخر لا يتم بصورة تلقائية، وإنما يخضع للشروط والإجراءات التي ينص عليها القانون.

ولفت إلى وجود إعفاءات واستثناءات معينة مرتبطة بإذن العمل في بعض المهن، إلى جانب إمكانية حصول الخاضعين للحماية المؤقتة على إذن عمل وفق الشروط القانونية، معتبراً أن تنظيم الوضع المهني يمثل أحد العناصر المرتبطة باستقرار الأسر وبناء حياة مهنية أكثر استقراراً.

وتوضح رئاسة إدارة الهجرة التركية أن السوريين الخاضعين للحماية المؤقتة يستطيعون التقدم للحصول على إذن عمل أو وثيقة إعفاء من إذن العمل بعد مرور ستة أشهر على إصدار بطاقة الحماية المؤقتة. كما أن إذن العمل يحل محل تصريح الإقامة وفق أحكام القانون. 

الواقع الميداني وتأثير الإجراءات على الفئات الهشة

وتشخص بسمة ناصر، مديرة مشاريع في شبكة المرأة السورية، تأثير الإجراءات على الفئات الأكثر ضعفاً، بالقول:

"من خلال مشروعنا والحالات التي ترد إلينا، تتبين معاناة فئة كبار السن بالدرجة الأولى، لا سيما السيدات اللواتي تجاوزن الخمسين عاماً والمصابات بأمراض مزمنة كالسكري والضغط، حيث كن يعتمدن بشكل أساسي على الخدمات الطبية المجانية. كما يشمل الضرر شريحة واسعة من الأطفال، خاصة مرضى سكري الأطفال أو من يحتاجون لتداخلات جراحية. وتتضاعف المعاناة لدى الأرامل والأسر ذات الدخل المحدود التي يعيلها فرد واحد وتفتقر لثمن الدواء، بينما يضطر أصحاب الإعاقات للخضوع لتقييمات طبية دورية ومستمرة من وزارة الصحة التركية لضمان عدم انقطاع المساعدات المقدمة لهم."

وتزداد حساسية هذه الحالات عندما تتداخل الحاجة إلى العلاج أو المساعدة الاجتماعية مع صعوبات التنقل أو اختلاف الوضع القانوني لأفراد الأسرة.

وتشير رئاسة إدارة الهجرة التركية إلى أن السوريين المسجلين ضمن الحماية المؤقتة يمكنهم الاستفادة من الخدمات الصحية في الولاية التي يقيمون فيها وفق القواعد المنظمة لذلك. 

الأحوال الشخصية وتثبيت الوضع القانوني

وتظهر تحديات أخرى في مجال الأحوال الشخصية، خصوصاً لدى الأسر التي تحتاج إلى تثبيت الزواج أو تسجيل الولادات أو تحديث البيانات العائلية.

وتتيح السلطات التركية للسوريين الخاضعين للحماية المؤقتة الراغبين في الزواج الحصول على وثيقة تثبت الحالة الزوجية من مديرية إدارة الهجرة في الولاية، وفق الوثائق والبيانات المسجلة، ثم استكمال إجراءات الزواج الرسمية. 

ويكتسب تسجيل هذه الوقائع أهمية خاصة بالنسبة للأطفال، إذ إن عدم استكمال الوثائق أو تأخر تسجيل بعض الوقائع المدنية قد يؤدي إلى صعوبات لاحقة في الحصول على الوثائق والخدمات وإثبات الصلة القانونية بين أفراد الأسرة.

الخيارات القانونية المستقبلية

وفي ظل النقاش المتعلق بمستقبل الحماية المؤقتة، يشير أحمد جميل نبهان، المعني بشؤون اللاجئين في تركيا وعضو قادة الرأي ومؤسس الجالية السورية في ولاية أضنة، إلى أن استقرار الأوضاع في سوريا قد يغير طبيعة الخيارات القانونية المتاحة أمام السوريين الراغبين في البقاء.

ويوصي الراغبين في الاستقرار في تركيا بالعمل على تنظيم وثائقهم الرسمية، ومنها جوازات السفر، والسعي إلى استكمال شروط العمل النظامي والحصول على إذن عمل ودفع الاشتراكات التأمينية، تمهيداً لتنظيم وضعهم القانوني وفق المسارات المتاحة.

وتشمل أوضاع الإقامة في القانون التركي أنواعاً متعددة، بينها الإقامة قصيرة الأمد، والإقامة العائلية، وإقامة الطالب، والإقامة طويلة الأمد، والإقامة الإنسانية، إضافة إلى أوضاع قانونية أخرى تحددها التشريعات التركية وشروط كل حالة. 

ولا يعني ذلك أن جميع هذه المسارات متاحة تلقائياً لحاملي الحماية المؤقتة، إذ يخضع الانتقال إلى أي وضع قانوني آخر للشروط والإجراءات التي تحددها السلطات المختصة.

التحليل المؤسسي لسياسات الهجرة

تعكس الإجراءات المتعلقة بالحماية المؤقتة والعمل والعناوين والتنقل محاولة لتنظيم الوجود الأجنبي وتوزيعه إدارياً، فيما تواجه الأسر السورية تحديات إضافية عندما تتعدد الأوضاع القانونية داخل الأسرة الواحدة.

وتشير القواعد الرسمية إلى أن الحماية المؤقتة لا تمنح حق الانتقال إلى الإقامة طويلة الأمد، كما أن السوريين المشمولين بالحماية المؤقتة لا يتقدمون بصورة فردية بطلبات الحماية الدولية وفق النظام المعمول به حالياً. 

وبذلك أصبح مستقبل كثير من الأسر مرتبطاً بقدرتها على مواءمة أوضاعها القانونية مع متطلبات العمل والسكن والتعليم والعلاج، في وقت تتوزع فيه مصالح بعض أفراد الأسرة بين تركيا وسوريا.

توصيات للجهات المعنية والمنظمات الدولية

تفرض التحولات الحالية الحاجة إلى معالجة الجوانب القانونية والإنسانية المرافقة لتغير أوضاع السوريين، ولا سيما الأسر التي يعيش أفرادها في بلدين مختلفين أو يحملون أوضاعاً قانونية متعددة.

وتشمل أبرز المقترحات:

تفعيل التنسيق الحقوقي والقانوني:

تعزيز التنسيق بين منظمات المجتمع المدني والجهات الدولية المعنية، بما فيها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لرصد التحديات القانونية والإدارية التي تواجه الأسر السورية وتقديم المشورة القانونية اللازمة.

تسهيل الإجراءات المتعلقة بالأحوال الشخصية:

تطوير آليات أكثر سرعة ووضوحاً لمعالجة معاملات الزواج والولادات وتحديث البيانات والوثائق، بما يقلل من تراكم المشكلات القانونية داخل الأسرة.

معالجة أوضاع العائلات المنقسمة:

إيجاد آليات تنظيمية واضحة تساعد الأسر التي توزعت بين تركيا وسوريا على الحفاظ على التواصل الأسري وتنظيم التنقل وفق الأطر القانونية المعمول بها.

حماية الفئات الأكثر هشاشة:

توجيه برامج الدعم القانوني والصحي والاجتماعي نحو كبار السن والأطفال المرضى والأرامل والأسر محدودة الدخل والأشخاص ذوي الإعاقة، مع ضمان عدم تحول التعقيدات الإدارية إلى عائق أمام حصولهم على الخدمات الأساسية.

دعم الاستقرار المهني:

تعزيز التوعية بالمسارات القانونية المتعلقة بالعمل وإتاحة المعلومات الدقيقة للسوريين حول شروط أذونات العمل والإعفاءات والإجراءات اللازمة لتنظيم الوضع المهني، بما يساعد الأسر على اتخاذ قراراتها على أساس قانوني واضح.

وتبقى معالجة ملف السوريين في تركيا مرتبطة بتطور الأوضاع في سوريا من جهة، وبالقرارات والإجراءات التركية المنظمة للحماية المؤقتة والإقامة والعمل من جهة أخرى، فيما تظل حماية وحدة الأسرة وضمان وصول الفئات الأكثر هشاشة إلى الخدمات الأساسية من أبرز القضايا التي تتطلب معالجة قانونية وإنسانية متوازنة. 

«تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان (JHR)»