هبة محمد القدس العربي.
يتوزع نحو 40 مليون متر مكعب من الأنقاض في المدن والأرياف السورية التي طاولها الدمار خلال سنوات الحرب، وبينما لم تتمكن وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث من ترحيل سوى نحو 3 ملايين متر مكعب حتى الآن، تتصدر حلب وريفها ودمشق وريفها وحمص المناطق التي تتركز فيها الكميات الأكبر، بينما تفرض طبيعة الركام ومخلفات الحرب ومتطلبات حماية الملكية الخاصة تحديات إضافية أمام عمليات الإزالة.
ومع استمرار العمل في عدد من المحافظات، يطرح حجم الملف أسئلة تتعلق بقدرة الجهات المعنية على استكمال عمليات الترحيل، وكلفة هذه العمليات، ومواقع تجميع الأنقاض ومعالجتها، وحجم ما يمكن إعادة تدويره، والجهات التي تتولى إدارة هذا المسار وتمويله.
إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث كشفت لـ”القدس العربي” عن التقديرات الحالية لإجمالي حجم الأنقاض في مختلف المحافظات السورية، مشيرة إلى وجود نحو 40 مليون متر مكعب، جرى ترحيل نحو 3 ملايين متر مكعب منها من قبل الوزارة.
الأولوية للمناطق الأكثر تضرراً
وعلى مستوى توزع الأنقاض، أفادت الوزارة لـ “القدس العربي” بأن الكميات الأكبر تتركز في الأرياف والمدن التي شهدت مستويات مرتفعة من الدمار خلال سنوات النزاع، وفي مقدمتها حلب وريف حلب، ودمشق وريف دمشق، وحمص، مع تفاوت الكميات بين منطقة وأخرى تبعاً لحجم الأضرار والكثافة العمرانية ومستوى الدمار الذي طال الأبنية والبنية التحتية.
وفيما يتعلق بتحديد المناطق المستهدفة، أوضحت الوزارة أن الأولويات تستند إلى مجموعة من المعايير الفنية والإنسانية، في مقدمتها حجم وكثافة الأنقاض وتأثيرها على السلامة العامة، والحاجة إلى فتح الطرق والمحاور الرئيسية وإعادة ربط التجمعات السكانية، فضلاً عن دعم عودة السكان والمهجرين إلى مناطقهم.
الكميات الأكبر تتركز في الأرياف والمدن التي شهدت مستويات مرتفعة من الدمار خلال سنوات النزاع، وفي مقدمتها حلب وريف حلب، ودمشق وريف دمشق، وحمص
ويرتبط تحديد الأولويات، وفق الوزارة، كذلك بمدى تأثير إزالة الأنقاض في الخدمات الأساسية، إذ تشمل المعايير إعادة تشغيل خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي والمرافق العامة، ومدى الجاهزية لتنفيذ مشاريع التعافي المبكر وإعادة التأهيل، إلى جانب توفر الموارد والقدرات اللوجستية وإمكانية الوصول الآمن إلى المواقع.
وبناء على هذه المعايير، حددت الوزارة المناطق التي يمكن أن تحقق فيها أعمال الإزالة أثراً مباشراً على حياة السكان، من خلال تسهيل العودة الآمنة، واستعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة البيئة المناسبة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار.
حلب ضمن الخطة
وبالانتقال إلى حلب وريفها، تظهر أرقام التنفيذ والخطة المقررة حجم العمل الجاري في المنطقة، إذ تبلغ الكمية المخططة لترحيلها حتى نهاية عام 2026 نحو 1,148,500 متر مكعب.
وحسب بيانات الوزارة لـ “القدس العربي”، فقد بلغت الكمية المنفذة منذ بداية أبريل/ نيسان 2026 وحتى سبتمبر/ أيلول الجاري 706,133 متراً مكعباً، فيما يبلغ المتبقي نحو 442,366.9 متراً مكعباً.
وتشير المعطيات إلى أن حلب أكثر المناطق السورية تضرراً خلال سنوات النزاع، ما يجعل إزالة الأنقاض مرتبطة بصورة مباشرة بإعادة فتح الطرق وتأهيل البنية التحتية وتهيئة المناطق المتضررة لعودة السكان.
لا للمساس بحقوق الملكية
وفيما يتعلق بالأبنية والممتلكات الخاصة، تبرز مسألة حقوق أصحابها في إطار عمليات إزالة الأنقاض، ولا سيما في الحالات التي يرغب فيها أصحاب المنازل المتضررة بالاحتفاظ ببعض المواد لاستخدامها لاحقاً في الترميم أو إعادة البناء.
وفي هذا الشأن، أكدت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث حرصها على تنفيذ عمليات إزالة الأنقاض ضمن إطار يحفظ حقوق المواطنين وممتلكاتهم، باعتبار أن الأنقاض الناتجة عن الأبنية الخاصة تبقى مرتبطة بحقوق أصحابها ما لم تتخذ إجراءات قانونية وإدارية واضحة بشأنها.
وأوضحت في هذا السياق أن “أعمال إزالة الأنقاض لا تستهدف التصرف بممتلكات المواطنين أو حرمانهم من الاستفادة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام، وإنما تهدف بالدرجة الأولى إلى معالجة المخاطر، وفتح الطرق، وتأمين السلامة العامة، وتهيئة المناطق المتضررة للتعافي وإعادة الإعمار”.
أكدت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث حرصها على تنفيذ عمليات إزالة الأنقاض ضمن إطار يحفظ حقوق المواطنين وممتلكاتهم
أما في الحالات المرتبطة بالأبنية الخاصة، فأشارت الوزارة إلى أن “التنسيق يجري مع الوحدات الإدارية والجهات المحلية المعنية، كما تؤخذ أوضاع المالكين بعين الاعتبار، وخاصة في المناطق التي يرغب فيها الأهالي بالاحتفاظ بجزء من الأنقاض أو المواد القابلة للاستفادة منها في أعمال الترميم أو إعادة البناء مستقبلاً”.
وفي إطار الإجراءات المتبعة في هذا الجانب، تعمل الوزارة “على توثيق مواقع العمل وبيانات الأبنية المشمولة بالإزالة، بما يضمن الشفافية وإمكانية المتابعة، ويحد من أي إزالة غير مبررة أو لا تراعي حقوق أصحاب العقارات”.
وتربط الوزارة هذه الإجراءات بالهدف المعلن من البرنامج، والمتمثل في “خدمة المواطنين وتسريع عودتهم إلى مناطقهم، معتبرة أن نجاح هذه الأعمال يرتبط بتحقيق توازن بين متطلبات السلامة العامة واحترام حقوق الملكية الخاصة ومصالح الأسر المتضررة”.
أين تذهب الأنقاض؟
وبالتوازي مع عمليات الإزالة، يطرح مسار التعامل مع الأنقاض بعد ترحيلها جانباً آخر من الملف. حيث أفادت الوزارة في هذا الشأن بأن “الأنقاض تنقل إلى مكبات ومواقع تجميع ومعالجة معتمدة، يجري اختيارها وفقاً لمعايير فنية وبيئية تراعي السلامة العامة وحماية البيئة، إلى جانب إمكانية الاستفادة من المواد القابلة لإعادة الاستخدام والتدوير”.
وفي المواقع التي تتوفر فيها منشآت وتجهيزات المعالجة، تخضع الأنقاض لعمليات فرز لاستخراج المواد القابلة للاسترداد وإعادة التدوير، مثل الركام الخرساني والأحجار والمعادن وبعض المواد الأخرى، لاستخدامها في أعمال الردميات وتسوية الأراضي وتأهيل الطرق وبعض مشاريع البنية التحتية، وفقاً للمواصفات الفنية المعتمدة.
تتضمن خطة الوزارة الاستثمارية لعام 2027 تدوير ومعالجة الأنقاض، بطاقة تقدر بنحو 30 ألف متر مكعب سنوياً
وتختلف إمكانية الاستفادة من هذه المواد من موقع إلى آخر، إذ “لا توجد نسبة ثابتة للمواد التي يمكن إعادة تدويرها من إجمالي الأنقاض، بحسب طبيعة الدمار ونوعية المواد المتوافرة، ومستوى التلوث، والقدرات الفنية المتاحة”.
وفي هذا الإطار، تتضمن خطة الوزارة الاستثمارية لعام 2027 تدوير ومعالجة الأنقاض، بطاقة تقدر بنحو 30 ألف متر مكعب سنوياً.
مخلفات الحرب
وحول التعامل مع الذخائر غير المنفجرة، أفادت الوزارة بأن “المواقع تخضع لإجراءات أمنية وفنية للتأكد من سلامتها، قبل البدء بأعمال النقل، إذ يتم إجراء مسح أمني وفني للموقع للتأكد من خلوه من الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، وذلك بالتنسيق مع فرق إزالة الذخائر غير المنفجرة ووزارة الدفاع السورية”.
وفي حال رصد مخلفات خطرة أو الاشتباه بوجود رفات بشرية، تتخذ إجراءات محددة، إذ تُوقف الأعمال فوراً ويُعزل الموقع، ثم تُبلّغ الجهات المختصة للتعامل معها وفقاً للإجراءات المعتمدة. ولا يسمح باستئناف أعمال إزالة الأنقاض قبل تأكيد سلامة الموقع بشكل كامل.
الركام كمدخل للعودة
وفيما يتعلق بالعودة والتعافي، ربطت الوزارة أعمال إزالة الأنقاض بتهيئة الظروف اللازمة لعودة المهجرين، لما تتيحه من تأمين بيئة أكثر أمناً، وإعادة فتح الطرق، واستعادة الخدمات الأساسية.
ربطت الوزارة أعمال إزالة الأنقاض بتهيئة الظروف اللازمة لعودة المهجرين
وفي هذا الإطار، وضعت الوزارة “إزالة الركام ضمن المرحلة الأولى من منظومة أوسع للتعافي المبكر وإعادة الإعمار، إذ تمهد لعودة السكان واستئناف الأنشطة الاقتصادية والخدمية في المناطق المتضررة”
عام على اتفاق غزة…الإبادة مستمرة
بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ، قتلت إسرائيل 1471 فلسطينيا وأصابت 5189 آخرين، وارتكبت 5223 خرقا ميدانيا للاتفاق، فيما وسعت مساحة الأراضي التي تحتلها إلى نحو 70 بالمئة من القطاع.
وبدأ تنفيذ الاتفاق في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بعد عامين من حرب الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على القطاع منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
ونص الاتفاق على وقف العمليات العسكرية وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي داخل القطاع، إلى جانب تبادل الأسرى وإدخال المساعدات الإنسانية.
ومع بدء تنفيذه، انسحب الجيش الإسرائيلي من مناطق كان قد توغل فيها خلال الحرب، وأعاد انتشار قواته خلف ما عرف بـ”الخط الأصفر”.
وأبقى هذا الانتشار نحو 53 بالمئة من مساحة القطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، فيما حصر الفلسطينيون عمليا في نحو 47 بالمئة، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا”.
غير أن الأشهر التالية لم تشهد توقفا للهجمات، إذ استمرت عمليات القصف والغارات وإطلاق النار ونسف المباني والتوغلات، بالتزامن مع تجاوز القوات الإسرائيلية “الخط الأصفر” في مناطق عدة والتقدم مجددا نحو أراض كانت قد انسحبت منها.
1471 شهيدا و5189 مصابا
وعلى امتداد عام من وقف إطلاق النار، لم يمر شهر دون سقوط قتلى وجرحى جراء الاعتداءات الإسرائيلية.
وقالت وزارة الصحة في غزة، الخميس، إن حصيلة الضحايا منذ بدء الاتفاق ارتفعت إلى 1471 شهيدا و5189 مصابا.
ومنذ بدء الاتفاق في أكتوبر/ تشرين الأول 2025 وحتى نهاية الشهر، بلغت الحصيلة 226 شهيدا و594 مصابا.
وفي نوفمبر/ تشرين الثاني، استشهد 130 فلسطينيا وأصيب 314، قبل أن تنخفض الحصيلة في ديسمبر/ كانون الأول إلى 59 شهيدا و244 مصابا.
ومع دخول عام 2026، عادت الحصيلة في الارتفاع، إذ استشهد في يناير/ كانون الثاني 94 فلسطينيا وأصيب 253، فيما شهد فبراير/ شباط استشهاد 120 وإصابة 288 آخرين.
وسجلت الحصيلة في مارس/ آذار استشهاد 80 فلسطينيا وإصابة 235، ثم ارتفعت في أبريل/ نيسان إلى 115 شهيدا و388 مصابا.
وفي مايو/ أيار، استشهد 106 فلسطينيين وأصيب 503، تلاه يونيو/ حزيران باستشهاد 123 وإصابة 587 آخرين.
وسجل يوليو/ تموز استشهاد 161 فلسطينيا وإصابة 571، فيما استشهد خلال أغسطس/ آب 106 وأصيب 408 آخرون.
وفي سبتمبر/ أيلول، استشهد 111 فلسطينيا وأصيب 641، قبل أن تسجل الأيام الثمانية الأولى من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري استشهاد 40 فلسطينيا وإصابة 163 آخرين.
5223 خرقا
وبالتوازي مع استمرار سقوط الضحايا، تواصلت الخروقات الميدانية لاتفاق وقف إطلاق النار.
وقال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، إن إسرائيل ارتكبت 5223 خرقا ميدانيا منذ بدء الاتفاق.
قال مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، إن إسرائيل ارتكبت 5223 خرقا ميدانيا منذ بدء الاتفاق
وأوضح أن الخروقات شملت القصف وإطلاق النار ونسف المنازل والمباني وتوغل الآليات العسكرية، إضافة إلى 200 واقعة اعتقال.
كما وثق “أوتشا” استمرار الهجمات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار، بما فيها عمليات عسكرية وهدم لمبان سكنية غرب “الخط الأصفر”، تسببت في نزوح مدنيين.
وفي تقرير صدر في 26 يونيو/ حزيران، قال “أوتشا” إن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تحقق من مقتل 196 فلسطينيا، بينهم 18 امرأة و43 طفلا، قرب “الخط الأصفر” بين بدء وقف إطلاق النار ومطلع أبريل/ نيسان 2026.
وتتعلق هذه الحصيلة بمن تحقق المكتب الأممي من مقتلهم قرب الخط، فيما شهدت مناطق أخرى بعيدة عنه غارات وإطلاق نار أسفرت عن قتلى وجرحى.
من 53 إلى 70 بالمئة
ولم تقتصر تداعيات الخروقات على سقوط الضحايا، إذ تغيرت أيضا خريطة الانتشار العسكري التي رسمها الاتفاق عند دخوله حيز التنفيذ.
فبعدما أبقى “الخط الأصفر” نحو 53 بالمئة من مساحة غزة تحت السيطرة الإسرائيلية، اتسعت تدريجيا مساحة الأراضي التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي مع توغله مجددا داخل القطاع.
وفي 28 مايو/ أيار 2026، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الجيش يسيطر على 60 بالمئة من مساحة غزة، وأنه وجه بالوصول إلى 70 بالمئة.
وبعد أقل من شهر، أقر نتنياهو، في 24 يونيو/ حزيران، بأن الجيش بات يسيطر على نحو 70 بالمئة من مساحة القطاع، مقابل نحو 53 بالمئة عند بدء تنفيذ وقف إطلاق النار.
وقال خلال معرض “موني إكسبو 2026” في تل أبيب، وفق صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية: “لو استمعنا إلى الدعوات الرافضة لدخول رفح، لما وصلنا اليوم إلى السيطرة على 70 بالمئة من أراضي غزة”.
وفي 26 يونيو/ حزيران، قدر “أوتشا” المناطق الخاضعة لقيود الوصول بنحو 64.9 بالمئة من مساحة القطاع.
وقال المكتب الأممي إنها باتت تحت “سيطرة إسرائيلية أكثر تشددا ومباشرة”، وإن معظمها محظور على الفلسطينيين، فيما يتطلب وصول المنظمات الإنسانية إليها تنسيقا مسبقا.
وتأتي هذه التحولات بعد أن كان الجيش الإسرائيلي، قبل وقف إطلاق النار، قد توغل في مختلف مناطق القطاع وسيطر على محاور وطرق رئيسية، بينها محور نتساريم الممتد من شرقي غزة إلى ساحل البحر المتوسط، والذي استخدمه لفصل شمال القطاع عن وسطه وجنوبه.
كما سيطر على محور فيلادلفيا الممتد على طول الحدود بين قطاع غزة ومصر، بما يشمل الجانب الفلسطيني من معبر رفح، واحتل مدينة رفح، وتوغل في مدينة خان يونس جنوبا، وفي أحياء واسعة بمدينة غزة، إضافة إلى بلدة جباليا ومخيمها وبلدتي بيت لاهيا وبيت حانون شمالا.