بين قسوة الشهادة والعمل الفني.. كيف فككت “قضبان الربيع” واقع الاعتقال زمن النظام البائد

الخميس, 15 أكتوبر - 2026
رواية قضبان الربيع
رواية قضبان الربيع

.

“كان خيار الموت أرحم من وجودنا في المعتقلات”، بهذه العبارة يستعيد الكاتب السوري عبد الله اليبرودي جانباً من التجربة التي وثقها في كتابه «قضبان الربيع»، حيث يتحول الاعتقال من محنة فردية إلى نافذة على عالم غابت خلف جدرانه مصائر أشخاص، ولم يعد معروفاً إن كانوا أحياء أو أمواتاً.

وفي عمل يستند إلى تجربة معاشة، يرصد اليبرودي رحلة الاعتقال التي بدأت مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، وتنقل خلالها بين فروع أجهزة أمن وسجون النظام البائد، مقدماً شهادة عن التعذيب والإذلال ومحاولات انتزاع الكرامة، وعن ذاكرة بقيت حاضرة بعد الخروج من الزنزانة.

وفي زاوية روايات الحرية، تقرأ سانا الثقافية قضبان الربيع على أنها شهادة أدبية على جانب من التجربة السورية، وتبحث في المفارقة التي يحملها عنوانها كيف يمكن للربيع، بما يستدعيه من أمل وبدايات جديدة، أن يقترن بقضبان تغلق الطريق أمام الحرية؟.

من الطريق إلى درعا تبدأ الحكاية

تبدأ الأحداث بعودة الراوي عبد الله من إحدى الدول الخليجية، بعد إخفاقه في الحصول على فرصة عمل رغم نيله شهادته الجامعية، لكنه سرعان ما يجد نفسه في قلب الثورة التي اندلعت في سوريا عام 2011، حين يشارك مع أبناء منطقته في التوجه إلى درعا للمشاركة في مظاهرة هدفت إلى فك الحصار عن المدينة.

هناك، يصطدم المتظاهرون بإطلاق النار، ويتحول الأمل بالتغيير إلى مواجهة مع واقع أكثر قسوة، ولا يطول الوقت بالراوي حتى يجد نفسه معتقلاً مع رفاقه، لتبدأ رحلة لم يكن يعرف إلى أين ستقوده، ولا إن كان سيخرج منها حياً.

بهذه البداية، يربط اليبرودي التجربة الفردية بسياقها التاريخي، فلا يقدم الاعتقال حدثاً معزولاً عن الشارع الذي خرج منه المعتقلون، بل نتيجة تحولات أخذت تتسع مع اتساع رقعة الاحتجاجات ومواجهتها من قبل السلطة، ومن لحظة الاعتقال الأولى، يتراجع مستقبل الراوي وأسئلته الشخصية أمام سؤال البقاء، ويصبح الوصول إلى نهاية اليوم من دون تعذيب جديد أملاً قائماً بذاته.

من فرع إلى آخر.. جغرافيا الخوف

تتنقل الحكاية بين فروع أمنية مختلفة، من المخابرات الجوية في دمشق إلى سجن صيدنايا، ثم إلى سجن مدني تنتهي فيه رحلة الاعتقال، وتتحول هذه الأمكنة إلى فضاءات تتغير فيها أشكال الإذلال، بينما تبقى العلاقة بين السجان والسجين يحكمها الإذلال والتعذيب السادي.

يوثق اليبرودي تفاصيل الحياة داخل المعتقلات، من الحرمان من النوم والطعام، إلى الضرب والإهانات والتفتيش المهين، وصولاً إلى أساليب التعذيب التي تستهدف الجسد والنفس معاً، وتصبح أبسط الحاجات اليومية مصدراً للقلق، فيما يتحول السجين إلى شخص ينتظر الأمر التالي، من دون أن يعرف ما الذي ارتكبه أو ما الذي ينتظره.

ولا يتوقف الأمر عند الألم الجسدي إذ تحاول الممارسات داخل السجن تفكيك إحساس المعتقل بذاته، عبر تحقيره وإجباره على الخضوع، وتحويله من إنسان له اسم وحياة سابقة إلى رقم داخل منظومة لا تعترف بحقه في الكرامة.

وتبلغ قسوة التجربة ذروتها حين يُكره الراوي، تحت وطأة التعذيب، على الاعتراف بحمل السلاح وقيادة مجموعة إرهابية مأجورة، هنا يصبح التحقيق وسيلة لفرض رواية على المعتقل، حتى لو اضطر إلى الإقرار بما لم يفعله.

السجين.. إنسان خلف الرقم

تتجاوز رواية قضبان الربيع كونها تدويناً لمعاناة اليبرودي الشخصية، إلى فتح صفحات مصائر معتقلين آخرين، تتباين خلفياتهم وانتماءاتهم وتجاربهم، ويجمعهم المصير نفسه داخل جدران السجن، ومن خلال هذه التفاصيل، تتشكل صورة جماعية لعالم يُحرم فيه المعتقلون من أبسط حقوقهم، ويُعاملون بوسائل تسعى إلى محو صفاتهم الإنسانية، فالسجن هنا يقيّد حركة الجسد ويحاول إخضاع الذاكرة والإرادة، وجعل الخوف جزءاً من الحياة اليومية.

ومع ذلك، لا يغيب الإنسان تماماً عن هذا العالم، ففي بعض التفاصيل والمواقف، تكشف ردود أفعال المعتقلين أن محاولات إخضاعهم لا تلغي بالضرورة قدرتهم على الاحتفاظ بموقف أخلاقي أو التمسك بما تبقى لهم من إنسانيتهم.

بهذا المعنى، تصبح ذاكرة السجن عند الراوي مساحة تحفظ حكايات الآخرين، أولئك الذين لم تتح لهم فرصة الخروج للحديث عما عاشوه.

واقعية التوثيق وحدود الفن الروائي

تطرح قضبان الربيع سؤالاً نقدياً حول العلاقة بين الشهادة والتخييل، وخصوصاً أن أحداثها تستند إلى تجربة المؤلف الشخصية، وتعتمد على التفاصيل والأسماء والأمكنة والتواريخ في بناء عالمها السردي.

ويرى الكاتب والروائي السوري إبراهيم اليوسف في تصريح إعلامي سابق أن العمل يغرق في الواقعية، مستنداً إلى كثافة التفاصيل وإيراد التواريخ والأرقام، إضافة إلى الاستعانة بصور واقعية، ويعتبر أن ذلك يعزز قيمته التوثيقية، لكنه يأتي أحياناً على حساب روائيته وفنيته.

كما يشير اليوسف إلى أن الأحداث تتقدم زمنياً بصورة متتابعة، بما يخدم التوثيق، وأن السرد يبقى قريباً من مشاهدات الكاتب ومعايشاته، مع إمكان توسيع التجربة روائياً بما يتجاوز حدود الشهادة الفردية.

من الاعتقال إلى الحرية

بعد انتقال الراوي ورفاقه بين الفروع الأمنية والسجون، يصلون إلى سجن مدني، لتحررهم منه فصائل من الجيش الحر، في تطور يتيح للمعتقلين فرصة الخلاص بعد اقترابهم من الهلاك.

لكن نهاية الاعتقال لا تعني أن التجربة أصبحت وراء أصحابها تماماً، فالجسد قد يغادر الزنزانة، فيما تبقى الذاكرة محملة بما شهدته من ألم وخوف وفقد، وتظل الحاجة إلى رواية ما حدث قائمة، لتتجاوز مجرد استعادة للماضي وتغدو محاولةً حقيقيةً لمنع محوه، وإيصال أصوات المعتقلين الذين قد لا يستطيعون رواية تجاربهم بأنفسهم.

هنا يكتسب العنوان دلالته الأعمق، فالقضبان تحيل إلى الحبس الذي يقيد الجسد والإرادة، فيما يستدعي «الربيع» زمناً كان يُفترض أن يحمل أملاً بالتغيير، وبينهما تتشكل مفارقة الكتاب، أن تتحول لحظة التطلع إلى الحرية إلى تجربة من الأسر، وأن تصبح الكتابة، بعد النجاة، وسيلة لاستعادة ما حاول السجن مصادرته من ذاكرة الإنسان وكرامته.

الرواية والكاتب في سطور

صدر كتاب قضبان الربيع للكاتب السوري عبد الله اليبرودي عام 2020 عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت، ويقع في 311 صفحة، ويروي تجربة اعتقال سياسي امتدت قرابة ثلاثة أعوام، وتنقل خلالها المؤلف بين السجون والأفرع الأمنية.

واليبرودي كاتب وروائي سوري عاش تجربة الاعتقال خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، ثم غادر البلاد مع أسرته إلى ألمانيا بعد خروجه من السجن، وقد استند في كتابه إلى ما حفظته ذاكرته من تفاصيل الحياة داخل المعتقلات، بهدف إلقاء الضوء على مصائر سجناء عاشوا في ظروف جعلت معرفة مصيرهم أمراً بالغ الصعوبة