تتجه صناعة الدراما والسينما في سوريا نحو مرحلة جديدة لتعزيز حضورها في سوق الإنتاج الفني العربي، وسط اهتمام متزايد بالاستثمار في هذا القطاع الحيوي، وتوجهات متكاملة لتوسيع قاعدة الإنتاج وتوفير بيئة عمل استثمارية وأكاديمية قادرة على تحسين القيمة التنافسية للعمل السوري وتأمين استدامته.
صناعة الدراما في سوريا.. استعادة الأسرية
على المستوى الفني والفكري، تضع الجهات المعنية بالصناعة الدرامية في مقدمة أولوياتها إعادة إحياء مفهوم الدراما الأسرية التي شكلت البصمة التاريخية والجاذب الأكبر للمشاهد العربي، مستشهدة بإنتاجات لا تزال في الذاكرة مثل “الفصول الأربعة” و”أحلام كبيرة”.
وأوضح رئيس لجنة صناعة السينما والتلفزيون علي عنيز لـ سانا أن التركيز الأساسي للجنة الوطنية للدراما يتجه اليوم نحو هذا النوع من الأعمال التي تعكس تنوع المجتمع السوري وخصوصيته الاجتماعية والثقافية، وتراعي قيم الأسرة العربية، بما يعزز التواصل مع الأجيال الجديدة ويحافظ على الخصائص الفنية الأصيلة للدراما السورية.
ولفت إلى أن هذا التوجه يرافقه تطور ملحوظ في آليات الرقابة على الأعمال الفنية باتجاه التقييم والارتقاء بالمحتوى، بما يسهم في دعم الإنتاج الأصلي جودة ومضموناً.
الهدف المنشود.. استثمار بـ 200 مليون دولار
أكد عنيز أن صناعة الدراما والسينما في سوريا عريقة ومتجذرة، وهي تنتقل اليوم من مرحلة الاستكشاف إلى استعادة حضورها القوي والمباشر على الشاشات والفضائيات العربية.
وكشف عن تنامي الاهتمام بالاستثمار في الإنتاج الفني مع دخول مستثمرين من قطاعات اقتصادية أخرى، معرباً عن طموح اللجنة لرفع حجم الاستثمار في القطاع ليصل إلى ما بين 100 و200 مليون دولار، مقارنة بنحو 25 إلى 30 مليون دولار خلال العام الماضي.
وأشار عنيز إلى أن تزايد تأسيس شركات الإنتاج الجديدة يعزز فرص النمو المستقبلي بالاستفادة من التجارب الإقليمية والعالمية الناجحة في تطوير الصناعات الإبداعية.
نحو صناعة مستدامة ولتحقيق الأهداف الاستثمارية
بين عنيز أن الجهات المعنية تعمل بالتعاون مع لجنة صناعة السينما والتلفزيون على معالجة الإشكاليات وتذليل العقبات التشغيلية، للانتقال نحو صناعة مستدامة تستثمر في الكفاءات البشرية من فنانين وكتاب وفنيين بالتوازي مع رأس المال، مشيراً في هذا الصدد إلى أن المبالغ المخصصة للقطاع تشهد تطوراً سنوياً بنسبة تتراوح بين 25 و30 بالمئة.
وعن الجانب التشريعي والتنظيمي، أوضح أن العمل انتقل من مرحلة تداخل الصلاحيات إلى تحديد واضح لمسؤوليات الجهات المعنية وتعزيز صلاحياتها، إلى جانب تعزيز التعاون مع المؤسسات الرسمية وغرفة صناعة السينما السورية، وتقديم تسهيلات وحوافز حقيقية لحماية رؤوس الأموال والمنتجين.
وشدد على أن سوريا تمتلك المقومات الكاملة لاستعادة دورها كمركز إقليمي لإنتاج الدراما كما كانت قبل عام 2000، اعتماداً على أدوات الإنتاج والتسهيلات والخبرات المحلية والعربية، إضافة إلى الإعفاءات الضريبية والتسهيلات المالية المقررة.
منافذ عرض دائمة
لفت عنيز إلى أهمية توفير سوق محلية قادرة على استيعاب الإنتاج الفني، عبر إنشاء فضائيات سورية داخلية، لضمان منافذ عرض دائمة للأعمال، ما يقلل من ارتهان استقرار الصناعة بتغير سياسات المحطات الخارجية، ويدعم تحقيق عوائد مالية للمنتجين تضمن استمرار مشاريعهم، ولا سيما لموسم 2027 وما بعده.
40 ألف أسرة سورية
وأشار إلى أن قطاع الإنتاج الفني يمثل شرياناً حيوياً لفرص العمل؛ إذ يعيل نحو 40 ألف أسرة سورية تعمل فيه، فضلاً عما ترفده المعاهد العليا والمؤسسات الأكاديمية من كفاءات شابة تجدد دماء القطاع وتضمن استمراريته.
الاستفادة من التجارب الدولية
لفت عنيز إلى ضرورة الاستفادة من تجارب الدول التي جعلت من الصناعات الإبداعية ركيزة في اقتصادها الوطني، مستشهداً بالتجربة الأمريكية التي يبلغ حجم الصناعات الإبداعية فيها نحو 170 مليار دولار وتساهم بنحو 5 إلى 6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى التجربة البريطانية.
وأوضح أن هذه النماذج تبرز الأهمية الاقتصادية للفن، والتي تتجاوز البعد الثقافي لتصل إلى تحريك القطاعات المرتبطة بالنقل والتوزيع والخدمات وتوفير فرص العمل.
نقابة الفنانين.. التمويل واللامركزية واستعادة الذاكرة الفنية
وفي السياق، أكد نقيب الفنانين مازن الناطور أن استمرارية الإنتاج الفني ترتبط بشكل مباشر بتوافر التمويل والتسويق الفعال، موضحاً أن المنتج بحاجة دائماً لمعرفة الأسواق ومنافذ العرض التي ستستوعب أعماله مسبقاً.
وشدد على توجه النقابة لتوسيع النشاط الفني ليطال مختلف المحافظات السورية عبر مشاريع مسرحية وفلكلورية متنوعة، وعدم حصر الفعاليات الثقافية في العاصمة دمشق، بل الوصول إلى الجمهور في مختلف المناطق.
وأشار الناطور إلى أهمية استعادة ذاكرة الفن السوري وتعريف الأجيال الجديدة بالتاريخ الإبداعي الذي بنى هويته، لافتاً إلى أن النقابة تعمل على مشاريع تستحضر تاريخ المسرح والدراما والموسيقا والفنون الشعبية، وكان في مقدمتها أوبريت “نوستالجيا ذاكرة الفن السوري”، الذي أنتجته النقابة وعرض مؤخراً