"آه يا ضهري"

جزار حي التضامن أمجد يوسف
جزار حي التضامن أمجد يوسف


"آه يا ضهري"، لا أنسى هذه الصرخة الذي أطلقها رجل مسن معصوب العينين يسوقه المجرم أمجد يوسف إلى حافة حفرة الموت ودفعه فيها ليسقط على جثث من قتلوا قبله، ثم يلقمه عدة رصاصات بدم بارد ليقتله على الفور. ثم يتوجه إلى الضحية الأخرى لتلقى المصير ذاته. شعرت بالذنب لأني كنت عاجزا كما كان كل السوريين عاجزين ليس عن إنقاذ هؤلاء الضحايا الذين وقعوا تحت أيادي هؤلاء المجرمين الساديين والوحشيين فحسب بل عن إنقاذ أنفسهم من نظام طائفي مقيت جند مئات الآلاف من الجيش والمخابرات والشبيحة لارتكاب المجازر بحق السوريين الذين انتفضوا ضد نظام جثم فوق رؤوسهم لزهاء نصف قرن ونيف من الإجرام، والتدمير، والنهب، والسلب. صرخة "آه يا ضهري" كان صرخة مؤلمة جدا لي ولكل من سمعها، شعرت بألم عميق يوخز ضميري فكيف كان شعور ذوي الضحايا، بعد أن انتشر الفيديو الذي يوثق المجزرة الوحشية التي أظهرت أن مرتكبي هذه المجزرة المريعة التي لا يمكن تصورها أذ قاموا باعتقال رجال ونساء بالمئات في حي التضامن عشوائيا وساقوهم إلى حفرة الموت المجهزة سلفا في طرف الحي بحجة حمايتهم من قناصين، ثم يعصبون عيونهم ويسوقونهم إلى الحفرة التي سيلقون فيها نهايتهم ثم يلقون فوقهم المواد الحارقة ويضرمون النار بأجسادهم قبل أن يردموا الحفرة لمحو آثار الجريمة. لكن الجريمة النكراء التي فاحت روائحها بعد أن بدأ ذووا الضحايا البحث عن أثرهم، وهناك من سمع أطلاق الرصاص وشم روائح الجثث المحروقة، ففي 22 آذار/ مارس 2021 قبل أمجد يوسف طلب صداقة على فيس بوك من حساب وهمي باسم "آنا شا"، وكانت خطوة أولى للإيقاع بهذا المجرم، آنا عرفت نفسها بأنها من مناصري نظام الأسد المخلوع وتمكنت من ربط علاقات مع مئات من أزلام النظام وضباطه وعناصر مخابراته، والشخصية الحقيقية التي تكمن خلف آنا هي أنصار شحود المناصرة للثورة السورية، وقد تمكنت بعد سنوات من ملاحقة المجرمين باسمها المستعار تمكنت من بث الثقة بنفوسهم بأنها من مناصريهم، فكان تتحدث معهم لساعات طويلة ومنهم بالطبع المجرم أمجد يوسف الذي اطمأن لها بعد عدة شهور من المراسلات والأحاديث المطولة فأقنعته بتسجيل حديث مصور سرد خلالها عن حياته الخاصة، واعترافه بقيامه بالمجزرة الذي قال لها بأنه "فخور بالقيام بها"، وحصلت منه على فيديوهات مصورة للجريمة لم يكشف سوى عن واحدة منها وما تبقى لا يزال في أيدي "معهد الهولوكوست والإبادة الجماعية" و البروفيسور اوغور اوميت انغور (التركي الاصل) وانصار شحود اللذين قاما بهذا التحقيق الذي استغرق لسنوات عديدة. بعد سقوط النظام وفرار المخلوع إلى موسكو، ومعه كل المجرمين الذين فر كل منهم إلى وجهات مختلفة، فر أمجد يوسف إلى قريته نبع الطيب بريف حماة حيث كان يعيش متخفيا، وتكمنت أجهزة وزارة الداخلية بعد اشهر من الرصد والمتابعة من تحديد مكان تواجده وأظهر مقطع مصور نشرته وزارة الداخلية السورية لحظة القبض على "جزار التضامن". ومع إعلان القبض عليه عمت الفرحة أرجاء سوريا. لكن هذه الفرحة لن تكتمل حتى يتم إلقاء القبض على كل المجرمين ورئيسهم الفار في موسكو ليلقوا مصيرهم المحتوم، فمجزرة حي التضامن واحدة من مئات المجازر بحق السوريين، وصرخة "آه يا ضهري" لم تكن ولن تكن في واد، لقد أيقظت ضمائر كل من يمتلك ذرة من الإنسانية. فيا قاتل الروح أين تروح.