أمريكا وسرقة ثروات العالم

صورة تاريخية لحذاء العراقي منتظر الزيدي موجها إلى وجه جورج بوش جونيور
صورة تاريخية لحذاء العراقي منتظر الزيدي موجها إلى وجه جورج بوش جونيور


احتفل العراقيون في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر 2026 بجلاء الجيش الأمريكي عن العراق، واعتبروه "يوم السيادة" وهم أنفسهم الذين احتفلوا بدخول الجيش الأمريكي وإسقاط نظام صدام حسين في التاسع من نيسان/ أبريل 2003 واعتبروه يوم التحرير من حكم "الدكتاتورية". عقدان ونيف على الاحتلال الأمريكي للعراق قام خلالها الجيش الأمريكي بقتل أكثر من مليوني عراقي، وحلوا مؤسسات الدولة ومنها الجيش العراقي، ولا أحد سأل لماذا جهزت أمريكا جيشا عرمرما بقضه وقضيضه وجاء إلى العراق ليحتلها بذريعة امتلاك نظام صدام لأسلحة دمار شامل، مع أن كل الخبراء الدوليين أكدوا أن العراق خال من أسلحة الدمار الشامل. وحاولت إدارة جورج بوش جونيور بربط نظام صدام بالقاعدة وزجه في عملية 11 أيلول سبتمبر (المشكوك بأمرها) لكنها لم تفلح في ذلك. والبحث في حقيقة قرار جورج بوش جونيور بغزو العراق ليس له أي علاقة بأسلحة الدمار الشامل، ولا العلاقة مع القاعدة، وقد اعترف بوش نفسه بأن المخابرات الأمريكية زودته بمعلومات "خاطئة". ولكن هذه المعلومات الخاطئة كلفت العراق دما ومالا ودمارا، وتدخلا إيرانيا صنع ميليشيات مسلحة تؤتمر من طهران وقد أرسل بعضها لتقاتل إلى جانب النظام البائد، لم يخرج من تبعاتها حتى اليوم. لكن ماذا كان الهدف من احتلال العراق؟
لفهم هذا الغزو الأمريكي يجب العودة إلى سبعينيات القرن الماضي عندما اكتشفت دول العالم وأولها فرنسا السرقة الأمريكية الكبرى التي دامت 30 عاما بعد مؤتمر بروتون وودز الذي جعل الدولار عملة احتياطية بدل الذهب وراحت امريكا تطبع مئات مليارات الدولارات وينشرها حول العالم ويشتري ما يلزم من مواد أولية وسلع وكل ما يلزم بأوراق نقدية لا تساوي قيمة الورق الذي صنعت منه. وهذا ما دفع الجنرال شارل ديغول أن يرسل لأمريكا كل ما تملك فرنسا من دولار واستبدلها بالذهب، وقتها تفشت الفضيحة وحرمت أمريكا من سرقتها التاريخية للعالم. فكان لا بد لها من أن تجد بديلا لأن ميزانيتها لا تقوى على تمويل كل قواعدها العسكرية وحاملات طائراتها حول العالم، وتدخلاتها العسكرية في كوريا وفيتنام وسواهما. فجاء الفيلسوف ليو شتراوس زعيم المحافظين الجدد من أمثال ديك تشيني، وجورج بوش، ودونالد رامسلفيد، وآخرون وقال: يحب على أمريكا أن تسيطر على منابع الطاقة في العالم، وتبعه مارتن إنديك المستشار والسفير السابق لأمريكا في إسرائيل بنظرية "الاحتواء المزدوج"، أي احتواء أيران والعراق. لأن هاتين الدولتين تمتلكان أكبر احتياطات نفطية في منطقة الشرق الأوسط، فبدأت أمريكا في العراق وانتظرت حتى بلعته وهضمته، والأن استدارت لإيران التي تبحث عن إسقاط نظامه كما فعلت في العراق، والسيطرة على مقدراته. كما فعلت في فنزويلا. ففي العراق لا تزال الولايات المتحدة لا تزال تسيطر فعليا على عوائد النفط الدولارية للعراق ، مما يمنح واشنطن نفوذا استثنائيا للتدخل في شؤون بغداد، وتأتي سيطرة الولايات المتحدة على عائدات النفط العراقية بشكل أساسي من إدارتها لهذه العائدات عبر بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك فبعد غزو العراق عام 2003، دشنت سلطة الائتلاف المؤقتة، بقيادة الولايات المتحدة، صندوق العراق للتنمية المودع لدى بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، وصمم لجمع عائدات النفط العراقية واستخدامها في إعادة إعمار البلاد وتنميتها وأصبح صندوق العراق للتنمية حسابا تابعا للبنك المركزي العراقي في بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، وهو الوضع القائم حتى اليوم(وعندما طلبت الحكومة العراقية من القوات الأمريكية الخروج من البلاد عام 2020، تردد أن واشنطن هددت بحرمان العراق من الوصول إلى الأموال لدى بنك الاحتياطي الاتحادي في نيويورك، مما دفع بغداد في نهاية المطاف إلى التراجع) واعتمد البنك المركزي العراقي تاريخيا على مزادات الدولار، المعروفة رسميا باسم مزاد العملة الأجنبية، كآلية رئيسية لتوفير الدولار. وكان بإمكان البنوك الخاصة وشركات الصرافة تقديم عروض يومية للحصول على الدولار من خلال شرائه بالدينار العراقي وأنهى العراق رسميا نظام المزادات في مطلع عام 2025 بعد ضغوط مكثفة من واشنطن. فجلاء آخر جندي أمريكي عن أرض العراق لا يعني أبدا الانسحاب الأمريكي من العراق، فهو سحب جنوده مضطرا لتقليص كلفة التواجد العسكري في الخارج كما فعل في أوربا فديون أمريكا اليوم وصلت إلى أكثر من 40 تريليون دولار ولا بد من تغطيتها وبما أنها غير قادرة على ذلك باقتصادها فقط فلابد من سرقة نفط العالم. ولم يتصد لها أحد سوى حذاء منتظر الزيدي الذي وجهه إلى جورج بوش وأخطأه..
.