(عن القدس العربي)
ناقش مجلس الأمن الدولي، في جلسة مفتوحة اليوم الجمعة، الأوضاع السياسية والإنسانية في سوريا.
قدّم الإحاطة أمام المجلس نائب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا والقائم بأعمال رئيس البعثة، كلاوديو كوردوني، في أول ظهور له أمام المجلس منذ تسلمه مهامه. وأوضح أنه عقد خلال الأسبوع الماضي سلسلة لقاءات مع الممثل الدائم لسوريا وأعضاء المجلس وعدد من الأطراف الدولية، لبحث سبل دعم مكتب المبعوث الأممي في دفع مسار الانتقال السياسي. وأضاف أنه يعتزم زيارة دمشق قريبًا لاستكمال المشاورات مع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني.
واستعرض كوردوني أبرز التطورات منذ آخر إحاطة قُدمت في 22 كانون الثاني/يناير، مشيرًا إلى الإعلان في 30 كانون الثاني/يناير عن اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تضمن ترتيبات لعملية دمج عسكرية وإدارية تدريجية، إضافة إلى بنود تتعلق بعودة النازحين وضمان الحقوق المدنية والتعليمية للأكراد السوريين.
وأوضح أن الأعمال القتالية توقفت حتى الآن، وأن تنفيذ الاتفاق يسير بصورة إيجابية، حيث بدأت قوات من وزارة الداخلية بالانتشار في مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، كما تتواصل المشاورات حول التعيينات السياسية وإدارة الحكم المحلي وخطط الدمج المؤسسي. وأشار إلى زيارات قامت بها وزارتا الدفاع والداخلية إلى مواقع مختلفة في شمال شرق البلاد، بما في ذلك مطار القامشلي وحقول النفط ومدينة عين العرب/كوباني.
ودعا كوردوني إلى التحقيق في التقارير المتعلقة بانتهاكات بحق المدنيين ومحاسبة المسؤولين عنها، متطرقًا إلى أوضاع مراكز الاحتجاز في الشمال الشرقي، بما فيها نقل أعداد من المشتبه بانتمائهم لتنظيم “الدولة” إلى العراق، مؤكدًا ضرورة احترام معايير المحاكمة العادلة، ومشددًا على أهمية قيام الدول الأعضاء بإعادة مواطنيها من المحتجزين.
وفي الجنوب، أشار إلى تجدد الاشتباكات في محافظة السويداء بين قوات الأمن الحكومية ومجموعات مسلحة محلية، ووقوع أضرار مادية وانقطاعات في الكهرباء، إضافة إلى مظاهرات تطالب بانسحاب القوات الحكومية من بعض المناطق. كما لفت إلى استمرار التوغلات إسرائيلية في الجنوب السوري، وتقارير عن رش مبيدات أثّرت على المزروعات، مجددًا الدعوة لاحترام السيادة السورية واتفاق فصل القوات لعام 1974.
وعلى الصعيد السياسي، قال إن الخطوة المقبلة في مسار الانتقال تتمثل في تشكيل مجلس الشعب، مشيرًا إلى إجراء انتخابات جزئية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والاستعداد لاستكمالها في محافظة الرقة، بانتظار حسم وضع المقاعد الشاغرة في الحسكة وعين العرب، إضافة إلى الإعلان عن التعيينات الرئاسية وتاريخ الجلسة الافتتاحية للبرلمان، مؤكدًا أهمية تمثيل مختلف المناطق والمكونات السورية تمثيلًا فعليًا.
مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية
بدورها، قالت مديرة شعبة التمويل والتواصل في مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، ليزا دوغتن، إن الأسابيع الأخيرة أظهرت استمرار هشاشة الوضع الأمني في سوريا، مشيرة إلى أن الاشتباكات الأخيرة أجبرت عشرات الآلاف على النزوح، ولا يزال نحو 130 ألف شخص نازحين في محافظات الحسكة والرقة وحلب.
وأوضحت أن أكثر من 90% من النازحين هم من النساء والفتيات، وأن ثلثيهم يقيمون لدى مجتمعات مضيفة، فيما يعيش آخرون في مخيمات مكتظة تعاني ظروفًا شتوية قاسية، مع تعطل جزئي في خدمات المياه والرعاية الصحية والتعليم.
وقالت إن فرق الأمم المتحدة وشركاءها تمكنوا من الوصول إلى نحو 200 ألف شخص عبر أكثر من 170 قافلة إغاثية شملت الغذاء والمياه والإمدادات الطبية والوقود، إضافة إلى إرسال نحو 60 شاحنة إلى مدينة عين العرب محملة بمساعدات أساسية.
وأشارت دوغتن إلى أن الوضع الإنساني في سوريا يشهد تحسنًا محدودًا، موضحة أن تقييم الأمن الغذائي لعام 2025 أظهر تراجعًا نسبيًا في مستويات انعدام الأمن الغذائي، إلا أن نحو 700 ألف شخص ما زالوا يواجهون مستويات شديدة، بينما يعاني 6.4 مليون من مستويات متوسطة.
وأضافت أن أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ ونازح داخلي عادوا إلى مناطقهم منذ نهاية عام 2024، في حين لا يزال نحو 5.5 مليون شخص في حالة نزوح داخل البلاد، مشيرة إلى أن الأمطار الغزيرة والفيضانات الأخيرة في إدلب واللاذقية تسببت في مقتل طفلين وتضرر آلاف العائلات.
وختمت بالتأكيد على ثلاث أولويات أساسية: منع تجدد العنف عبر الدبلوماسية، وزيادة الاستثمار في التعافي والخدمات الأساسية، وضمان استمرار التمويل الإنساني خلال المرحلة الانتقالية، مؤكدة أن توفر الدعم الدولي الكافي عامل حاسم في تخفيف حجم الاحتياجات الإنسانية.
ممثلة المجتمع المدني السورية
وقالت ممثلة المجتمع المدني السورية، مزنة دريد، إنها تتحدث بصفتها امرأة سورية وناشطة وأمًا ولاجئة سابقة، مشيرة إلى أنها تنحدر من حي القدم في دمشق الذي شهد سنوات من الحصار والقصف والتهجير القسري.
وأوضحت أنها غادرت سوريا إلى كندا عام 2016 طالبة لجوء، لكنها واصلت نشاطها في الدفاع عن حقوق النساء والمجتمعات النازحة والعمل الإنساني، معتبرة أن سقوط نظام الأسد أعاد إليها الأمل بالعودة إلى وطنها، رغم هشاشة مسار التعافي.
وقالت إن التطورات الأخيرة لا تلغي استمرار مظاهر عدم الاستقرار في شمال شرق البلاد، والتدخلات الإسرائيلية، وغياب مؤسسة تشريعية فاعلة، إضافة إلى تصاعد العنف الطائفي وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
ودعت مجلس الأمن إلى التحرك في ثلاثة مسارات: تعزيز المشاركة السياسية للنساء، وترسيخ العدالة الانتقالية عبر محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة، ومعالجة أوضاع شمال شرق سوريا عبر ضمانات دستورية ومشاركة سياسية حقيقية.
كما شددت على أوضاع الأطفال، مؤكدة أن ملايين منهم لم يعرفوا سوى الحرب، وأن أي انتقال سياسي لا يضع الإنسان، خصوصًا الطفل، في صلب أولوياته لن يكون انتقالًا مستدامًا.
الحكومة السورية
وأكدت سوريا أن التحديات تحولت إلى إنجازات ملموسة، مشيرة إلى استقرار شمال شرق البلاد ودخول اتفاق وقف إطلاق النار مع “قسد” حيز التنفيذ، وبدء دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارات الذاتية ضمن مؤسسات الدولة. كما جرى تأمين مخيم الهول والسجون المحيطة به، مع خطوات لحماية حقوق النساء والأطفال.
وأشارت إلى المرسوم الرئاسي رقم 13 الذي يعترف بالأكراد كجزء أصيل من الشعب السوري ويصون هويتهم الثقافية ضمن الهوية الوطنية الشاملة، مع الاعتراف بحقوقهم المدنية والتعليمية.
وأكدت دورها في مكافحة الإرهاب، مع الإعلان عن اعتقال أكثر من 278 إرهابيًا وإحباط أكثر من 45 مخططًا إرهابيًا، وتعزيز الانتشار العسكري على الحدود السورية-العراقية-الأردنية.
كما أبرزت استعادة الحياة الثقافية عبر معرض دمشق الدولي للكتاب بمشاركة أكثر من 500 دار نشر من 35 دولة، وفتح جناح للغة الكردية، إلى جانب توقيع عقود استراتيجية في مجالات الطيران والاتصالات والطاقة، بما يعكس بدء مرحلة تعافٍ وتنمية.
الولايات المتحدة
وأكدت ممثلة الولايات المتحدة دعم بلادها لسوريا كدولة ذات سيادة وموحدة، مشيرة إلى أن الاتفاق الشامل بين الحكومة السورية و”قسد” في 29 كانون الثاني يمثل خطوة أساسية نحو المصالحة الوطنية.
وأبرزت أهمية المرسوم الرئاسي رقم 13، ودور المجتمع الدولي في مكافحة تنظيم داعش، بما يشمل إعادة رعايا الدول من مراكز الاحتجاز في سوريا والعراق، ودعم الجهود الإنسانية.
كما شددت على أن الوضع الإنساني يظل أولوية، داعية الدول المانحة إلى تكثيف الدعم بشكل فعال وشفاف، لضمان استمرارية أنشطة الإغاثة المنقذة للحياة