أروقة القضاء وصناعة القرار: كفاح المحامية السورية من الرائدات إلى قيادة العمل النقابي

ميساء الشيخ حسين
الجمعة, 5 يونيو - 2026
المحامية رهادة عبدوش
المحامية رهادة عبدوش

شكّل تأسيس "لجنة المرأة المحامية" في نقابة المحامين السوريين نقطة تحوّل جوهرية في تاريخ العمل النقابي؛ فبعد أن ظلّت هذه اللجنة لسنوات طويلة مجرد حبر على ورق، دُبّت فيها الحياة لتصبح الإطار التنظيمي والمحرك الأساسي الذي يجمع الحقوقيات السوريات لتوثيق مسيرتهن وصياغة تطلعاتهن. يقود هذه اللجنة هيكل إداري رفيع المستوى برئاسة الأستاذة رهادة عبدوش، وعضوية الدكتورة سميرة الوتار (التي تشغل أيضاً منصب رئيسة تحرير مجلة "المحامون")، إلى جانب كوكبة من المحاميات العضوات في النقابة، لتبدأ اللجنة أولى خطواتها في مأسسة العمل النسائي وتحويله إلى قوة ضاغطة داخل أروقة القضاء والمجتمع.


من التأسيس إلى "الكتلة الحرجة"

لم يكن وصول المرأة إلى مجالس صنع القرار النقابي وليد الصدفة، بل جاء تتويجاً لمسيرة بدأها الرعيل الأول من المحاميات في ثلاثينيات القرن الماضي، اللواتي كسرن النمط السائد:

الأستاذة بوران طرزي (أول محامية): انتسبت في 27 شباط/فبراير 1938 (ترتيبها 208 بين المحامين)، وهي خريجة المعهد الفرنسي في بيروت، وعُيّنت لاحقاً رئيسة شعبة في وزارة الاقتصاد عام 1947.

الأستاذة فاطمة مراد (ثاني محامية): بدأت ممارسة المهنة في 25 أيلول/سبتمبر 1939، وهي خريجة المعهد الحقوقي العربي في دمشق.

الأستاذة ملك كبارة (ثالث محامية): بدأت مسيرتها في 20 تموز/يوليو 1946.

الأستاذة هرمز النابلسي (رابع محامية): بدأت ممارسة المهنة في 30 كانون الثاني/يناير 1949.


اليوم، تحوّل هذا الوجود الفردي إلى "كتلة حرجة" ومؤثرة؛ إذ تمثل المحاميات حالياً أكثر من ثلث المحامين المنتسبين إلى نقابة المحامين في جميع فروعها. ولأول مرة في تاريخ سوريا، تُرجِم هذا الثقل العددي بكسر السقف الزجاجي في الانتخابات، إذ ضمّ مجلس النقابة المركزية ثلاث محاميات من أصل 11 عضواً، إضافة إلى حجز مقعد دائم لمحامية في مجلس كل فرع.


قوة ضاغطة ومناصرة للعدالة

تؤكد الأستاذة رهادة عبدوش أن وجود المحاميات اليوم يشكّل قوة ضاغطة للتذكير الدائم بالحقوق، وضرورة تعديل التشريعات التمييزية (كقوانين الأحوال الشخصية، والعقوبات، والعمل) لتصبح أكثر ملاءمة للحياة العصرية.


وتستحضر الذاكرة الحقوقية السورية إنصاف "محاميات رائدات" خضن غمار العمل الإنساني والسياسي؛ فبالرغم من غياب القرارات النقابية الفاعلة منذ ثمانينيات القرن الماضي نتيجة هيمنة الاستبداد، سجّلت المحاميات السوريات مواقف استثنائية في مناصرة الثورة والدفاع المجاني عن حقوق المعتقلين في سجون النظام السابق.


وفي مرحلة ما بعد التحرير، انخرطت المحاميات بقوة في اللجان النقابية المركزية (كصناعة القرار، الطعون، ودراسة القوانين)، ولا سيما لجان إعادة الاعتبار للمحامين المشطوبين تعسفياً، ومحاسبة منتهكي أخلاقيات المهنة؛ حيث أثبتت المرأة كفاءة استثنائية في التوثيق والاستماع والمتابعة القانونية.


وتتفق قيادة اللجنة على أن هذه الخطوات تمثل بداية الطريق نحو المساواة الكاملة، والتي تتطلب سياسات "تمييز إيجابي" وحملات دعم مجتمعي للمرأة، بوصفها أماً وصانعة قرار قادرة على تحقيق التوازن بين التزاماتها الأسرية والمهنية.