مجلس الأمن يناقش العدالة الانتقالية وملف المفقودين في سوريا ‏

الأربعاء, 22 يوليو - 2026
مجلس الامن
مجلس الامن


ناقش مجلس الأمن الدولي خلال جلسة عقدها اليوم الثلاثاء، ملفي العدالة الانتقالية والأشخاص المفقودين في سوريا، بمشاركة مندوب ‏سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، ورئيس الهيئة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، ورئيس الهيئة ‏الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي.‏
علبي: مصير أغلب المفقودين لم يُكشف بعد والبحث عنهم مستمر
وقال مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي: إن سوريا بدأت في السابع من كانون الأول عملية التحرر، مع توجه القوات ‏نحو السجون وكسر القيود، مشيراً إلى أن الناس كانوا ينتظرون فتح أبواب السجون لرؤية أقربائهم ومعرفة مصيرهم بعد سنوات من ‏الغياب.‏
وأوضح علبي أن دمشق واجهت تحدياً كبيراً في مسار العدالة الانتقالية، داعياً إلى الاستماع لما سيقدمه ممثلا الهيئة الوطنية للمفقودين ‏والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وتكريم النساء اللواتي بذلن جهوداً حثيثة في البحث عن المفقودين.‏
وأشار إلى أن الأغلبية العظمى ممن لديهم مفقودون لم يُكشف بعد عن مصيرهم، وأن عمليات البحث عنهم مستمرة، لافتاً إلى إنشاء ‏الهيئة الوطنية للمفقودين لمتابعة هذا الملف ومعالجة قضية المفقودين في سوريا.‏
العدالة الانتقالية.. معالجة للإرث واستثمار في المستقبل
بدوره، أكد رئيس الهيئة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن التحولات التي تشهدها سوريا تتيح فرصة ‏تاريخية لمعالجة إرث الانتهاكات، موضحاً أن العدالة الانتقالية ليست معالجة للماضي فحسب، بل استثمار في المستقبل.‏
وقال: إن الهيئة تعمل على إطلاق مسار شامل يستند إلى الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار، ‏مشيراً إلى أن حجم الانتهاكات وتعقيد الملفات يتطلبان دعماً دولياً مستداماً يركز على بناء القدرات ونقل الخبرات وتعزيز المؤسسات ‏السورية، مع الحفاظ على الملكية الوطنية لهذا المسار.‏
وأكد عبد اللطيف أهمية دور الأمم المتحدة وآلياتها المعنية في دعم العدالة الانتقالية وسيادة القانون وحماية الضحايا وتوثيق الانتهاكات ‏وحفظ الأدلة، معرباً عن التطلع إلى مستوى أعمق من التعاون والتكامل مع المؤسسات الوطنية السورية في تبادل الخبرات وبناء ‏القدرات.‏
وبيّن أن الهيئة عملت خلال قرابة عام على مسارين، أولهما دولي للاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية وتعزيز التعاون مع المجتمع ‏الدولي والمنظمات الأممية، حيث وقعت مذكرات تفاهم لبناء القدرات وتجهيز منظومة الأمن الرقمي وحفظ الأرشيف، بالتوازي مع ‏إعداد مسودة قانون للعدالة الانتقالية عبر مشاورات واسعة، عقدت خلالها أكثر من 300 اجتماع ولقاء مع جهات مختلفة، وفي مقدمتها ‏الضحايا.‏
وأضاف إن الهيئة نسقت مع أكثر من 80 منظمة مجتمع مدني، وأحدثت ست إدارات تنفذ زيارات دورية إلى المحافظات، وبدأت فرق ‏الحقيقة فتح ملفات عدد من المجازر، بينها التضامن في دمشق والحولة في حمص وجديدة الفضل في ريف دمشق وتسنيم في ريف ‏حمص، فيما تواصل إدارة المحاسبة والمساءلة التحقيقات في مواقع متعددة، بينها جورة القصور في دير الزور ودرعا والتضامن في ‏دمشق وحمص.‏
وأشار إلى أن إدارة جبر الضرر تعمل على تجهيز أول مركز للتعافي في حمص وبناء سجل وطني للضحايا، فيما تجري إدارة الذاكرة ‏مسحاً ميدانياً للمحافظات، وتواصل إدارة المصالح الوطنية والمجتمعية تنظيم الحوارات بين مختلف أطياف السوريين، لافتاً إلى أن ‏الهيئة ستفتتح مكاتب فرعية في المحافظات لضمان وصول أصوات الضحايا وتخفيف عناء انتقالهم.‏
وشدد عبد اللطيف على أن العدالة الانتقالية ركيزة لتعزيز السلم الأهلي ومنع تجدد النزاعات، مؤكداً أن نجاحها يتطلب قيادة وطنية ‏وملكية سورية وشراكات دولية بناءة، داعياً المجتمع الدولي إلى مواصلة الاستثمار في بناء المؤسسات الوطنية بما يعزز استقرار ‏سوريا والمنطقة.‏
هيئة المفقودين.. قضية المفقودين حق وكرامة وركيزة للسلام المستدام
من جهته، أكد رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي أن قضية المفقودين قضية حق وكرامة وركيزة للسلام المستدام، ‏مشدداً على حق العائلات في معرفة مصير أحبائها، وأنه لا يمكن للعائلات التعافي من دون الحقيقة أو للمجتمع الاستقرار ما دام مصير ‏مئات الآلاف من أبنائه مجهولاً.‏
وأوضح أن الهيئة الوطنية للمفقودين، التي أُنشئت عقب سقوط النظام البائد، انتقلت خلال فترة وجيزة إلى العمل الفعلي، فكشفت مصير ‏عدد من المفقودين، بينهم أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة، واستجابت لأكثر من 170 بلاغاً عن مواقع يشتبه بوجود مقابر أو رفات ‏بشرية فيها، كما افتتحت عشرة مراكز لخدمة العائلات في المحافظات وأطلقت 11 برنامجاً وطنياً، وبدأت مشاورات لإعداد قانون ‏خاص بالمفقودين.‏
وأشار جلخي إلى أن قضية المفقودين أصبحت اليوم أولوية وطنية تقودها مؤسسة متخصصة، بعد سنوات من التهميش والإنكار ‏والتضييق، مؤكداً أهمية التعاون والتكامل مع الدول والجهات الدولية المعنية لتخفيف معاناة العائلات وتسريع وصولها إلى الحقيقة، ‏على أن تبقى العائلات الغاية والمرجعية لهذا التعاون.‏
وبيّن أن الهيئة وقعت إعلان مبادئ للتعاون مع ثلاث جهات دولية معنية بالمفقودين، يحدد الأدوار بحيث تقود الهيئة العمل داخل ‏سوريا، فيما يتركز الدور الدولي على الدعم الفني والتقني ونقل الخبرات وبناء القدرات، مشدداً على ضرورة مواءمة عمل الآليات ‏الدولية مع الواقع السياسي والمؤسسي الجديد في سوريا، بما يضمن تكاملها مع الولاية الوطنية للهيئة ويمنع تشتت الجهود أو إرباك ‏العائلات.‏
ولفت جلخي إلى الدور الكبير الذي اضطلعت به النساء من أمهات وزوجات وبنات وأخوات المفقودين خلال سنوات الانتظار، مؤكداً ‏تمسكهن بحق أحبائهن في الحقيقة وحفاظهن رغم الألم على تماسك عائلاتهن ومجتمعاتهن.‏
ودعا الدول الأعضاء إلى دعم مسار داخل الأمم المتحدة لاعتماد يوم دولي لنساء عائلات المفقودين، تقديراً لصمودهن، وتأكيداً على أن ‏دعمهن جزء من حق العائلة في الحقيقة وبناء السلام المستدام.‏
وأكد جلخي أن “الحقيقة حق لكل عائلة”، وأن المسؤولية المشتركة تتمثل في تحويل التعاون الدولي إلى نتائج تحفظ كرامة المفقودين ‏وتخفف معاناة عائلاتهم، وتقربهم من الحقيقة التي طال انتظارهم لها. ‏
من جهته أشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى أهمية دور المجتمع الدولي في تقديم ‏الخبرات لدعم مسار العدالة الانتقالية، مرحباً بالخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية لوضع أسس لمستقبل مسالم، مؤكداً أن ‏السوريين يتطلعون إلى العدالة والمساءلة والشفافية.‏
بدورها لفتت الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة ورئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا كارلا كينتانا إلى أن ‏المعلومات المتعلقة بالمفقودين غالباً ما تكون مخفية أو متفرقة، مشددة على ضرورة بناء قدرات مستدامة وتعزيز الثقة بين المؤسسات ‏الوطنية والأطراف الدولية لإنجاح عمليات البحث عن المفقودين.‏
وأكدت مندوبة الدنمارك أن الالتزام بالعدالة الانتقالية في سوريا يتيح فرصة حقيقية لإحراز تقدم في هذا الملف، فيما شددت مندوبة ‏كولومبيا على أهمية الكشف عن مصير المختفين والمفقودين ضمن جهود تحقيق سلام مستدام.‏
وأشار عدد من المندوبين إلى أهمية الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية، ولا سيما إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة ‏الوطنية للمفقودين، حيث رحبت اليونان ولاتفيا وبنما وتركيا والبرازيل بهذه الإجراءات، معتبرين أنها تمثل خطوة مهمة في معالجة ‏تداعيات سنوات الحرب.‏
وشددوا على أن قضية المفقودين تمثل أولوية إنسانية، وعلى ضرورة إشراك الضحايا وأسرهم في جهود العدالة الانتقالية، مؤكدين أن ‏توضيح مصير المفقودين يشكل أساساً لبناء الثقة وتحقيق المصالحة.‏
بدورهم، أكد مندوبو البحرين وباكستان والصومال أهمية أن تكون عملية العدالة الانتقالية بقيادة وملكية وطنية سورية، مع الاستفادة ‏من دعم وخبرات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بما يضمن مشاركة جميع مكونات المجتمع وتعزيز التماسك الاجتماعي.‏
وشدد مندوبا فرنسا والاتحاد الأوروبي على ضرورة تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم وضمان حقوق الضحايا، ودعيا إلى ‏تعزيز التعاون مع الآليات الأممية ودعم جهود صياغة قانون للعدالة الانتقالية، بينما أكد مندوب الصين أن مسألة المفقودين تمثل جرحاً ‏عميقاً يعاني منه الشعب السوري، مشدداً على ضرورة توحيد الجهود لمعالجة هذا الملف والتخفيف من معاناة الأسر، مع التأكيد على ‏احترام سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، والحفاظ على الاستقرار المجتمعي خلال المرحلة الانتقالية.‏