ناقش مجلس الأمن الدولي خلال جلسة عقدها اليوم الثلاثاء، ملفي العدالة الانتقالية والأشخاص المفقودين في سوريا، بمشاركة مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي، ورئيس الهيئة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، ورئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي.
علبي: مصير أغلب المفقودين لم يُكشف بعد والبحث عنهم مستمر
وقال مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي: إن سوريا بدأت في السابع من كانون الأول عملية التحرر، مع توجه القوات نحو السجون وكسر القيود، مشيراً إلى أن الناس كانوا ينتظرون فتح أبواب السجون لرؤية أقربائهم ومعرفة مصيرهم بعد سنوات من الغياب.
وأوضح علبي أن دمشق واجهت تحدياً كبيراً في مسار العدالة الانتقالية، داعياً إلى الاستماع لما سيقدمه ممثلا الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، وتكريم النساء اللواتي بذلن جهوداً حثيثة في البحث عن المفقودين.
وأشار إلى أن الأغلبية العظمى ممن لديهم مفقودون لم يُكشف بعد عن مصيرهم، وأن عمليات البحث عنهم مستمرة، لافتاً إلى إنشاء الهيئة الوطنية للمفقودين لمتابعة هذا الملف ومعالجة قضية المفقودين في سوريا.
العدالة الانتقالية.. معالجة للإرث واستثمار في المستقبل
بدوره، أكد رئيس الهيئة الوطنية السورية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف أن التحولات التي تشهدها سوريا تتيح فرصة تاريخية لمعالجة إرث الانتهاكات، موضحاً أن العدالة الانتقالية ليست معالجة للماضي فحسب، بل استثمار في المستقبل.
وقال: إن الهيئة تعمل على إطلاق مسار شامل يستند إلى الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي وضمان عدم التكرار، مشيراً إلى أن حجم الانتهاكات وتعقيد الملفات يتطلبان دعماً دولياً مستداماً يركز على بناء القدرات ونقل الخبرات وتعزيز المؤسسات السورية، مع الحفاظ على الملكية الوطنية لهذا المسار.
وأكد عبد اللطيف أهمية دور الأمم المتحدة وآلياتها المعنية في دعم العدالة الانتقالية وسيادة القانون وحماية الضحايا وتوثيق الانتهاكات وحفظ الأدلة، معرباً عن التطلع إلى مستوى أعمق من التعاون والتكامل مع المؤسسات الوطنية السورية في تبادل الخبرات وبناء القدرات.
وبيّن أن الهيئة عملت خلال قرابة عام على مسارين، أولهما دولي للاستفادة من تجارب العدالة الانتقالية وتعزيز التعاون مع المجتمع الدولي والمنظمات الأممية، حيث وقعت مذكرات تفاهم لبناء القدرات وتجهيز منظومة الأمن الرقمي وحفظ الأرشيف، بالتوازي مع إعداد مسودة قانون للعدالة الانتقالية عبر مشاورات واسعة، عقدت خلالها أكثر من 300 اجتماع ولقاء مع جهات مختلفة، وفي مقدمتها الضحايا.
وأضاف إن الهيئة نسقت مع أكثر من 80 منظمة مجتمع مدني، وأحدثت ست إدارات تنفذ زيارات دورية إلى المحافظات، وبدأت فرق الحقيقة فتح ملفات عدد من المجازر، بينها التضامن في دمشق والحولة في حمص وجديدة الفضل في ريف دمشق وتسنيم في ريف حمص، فيما تواصل إدارة المحاسبة والمساءلة التحقيقات في مواقع متعددة، بينها جورة القصور في دير الزور ودرعا والتضامن في دمشق وحمص.
وأشار إلى أن إدارة جبر الضرر تعمل على تجهيز أول مركز للتعافي في حمص وبناء سجل وطني للضحايا، فيما تجري إدارة الذاكرة مسحاً ميدانياً للمحافظات، وتواصل إدارة المصالح الوطنية والمجتمعية تنظيم الحوارات بين مختلف أطياف السوريين، لافتاً إلى أن الهيئة ستفتتح مكاتب فرعية في المحافظات لضمان وصول أصوات الضحايا وتخفيف عناء انتقالهم.
وشدد عبد اللطيف على أن العدالة الانتقالية ركيزة لتعزيز السلم الأهلي ومنع تجدد النزاعات، مؤكداً أن نجاحها يتطلب قيادة وطنية وملكية سورية وشراكات دولية بناءة، داعياً المجتمع الدولي إلى مواصلة الاستثمار في بناء المؤسسات الوطنية بما يعزز استقرار سوريا والمنطقة.
هيئة المفقودين.. قضية المفقودين حق وكرامة وركيزة للسلام المستدام
من جهته، أكد رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين محمد رضا جلخي أن قضية المفقودين قضية حق وكرامة وركيزة للسلام المستدام، مشدداً على حق العائلات في معرفة مصير أحبائها، وأنه لا يمكن للعائلات التعافي من دون الحقيقة أو للمجتمع الاستقرار ما دام مصير مئات الآلاف من أبنائه مجهولاً.
وأوضح أن الهيئة الوطنية للمفقودين، التي أُنشئت عقب سقوط النظام البائد، انتقلت خلال فترة وجيزة إلى العمل الفعلي، فكشفت مصير عدد من المفقودين، بينهم أطفال الدكتورة رانيا العباسي الستة، واستجابت لأكثر من 170 بلاغاً عن مواقع يشتبه بوجود مقابر أو رفات بشرية فيها، كما افتتحت عشرة مراكز لخدمة العائلات في المحافظات وأطلقت 11 برنامجاً وطنياً، وبدأت مشاورات لإعداد قانون خاص بالمفقودين.
وأشار جلخي إلى أن قضية المفقودين أصبحت اليوم أولوية وطنية تقودها مؤسسة متخصصة، بعد سنوات من التهميش والإنكار والتضييق، مؤكداً أهمية التعاون والتكامل مع الدول والجهات الدولية المعنية لتخفيف معاناة العائلات وتسريع وصولها إلى الحقيقة، على أن تبقى العائلات الغاية والمرجعية لهذا التعاون.
وبيّن أن الهيئة وقعت إعلان مبادئ للتعاون مع ثلاث جهات دولية معنية بالمفقودين، يحدد الأدوار بحيث تقود الهيئة العمل داخل سوريا، فيما يتركز الدور الدولي على الدعم الفني والتقني ونقل الخبرات وبناء القدرات، مشدداً على ضرورة مواءمة عمل الآليات الدولية مع الواقع السياسي والمؤسسي الجديد في سوريا، بما يضمن تكاملها مع الولاية الوطنية للهيئة ويمنع تشتت الجهود أو إرباك العائلات.
ولفت جلخي إلى الدور الكبير الذي اضطلعت به النساء من أمهات وزوجات وبنات وأخوات المفقودين خلال سنوات الانتظار، مؤكداً تمسكهن بحق أحبائهن في الحقيقة وحفاظهن رغم الألم على تماسك عائلاتهن ومجتمعاتهن.
ودعا الدول الأعضاء إلى دعم مسار داخل الأمم المتحدة لاعتماد يوم دولي لنساء عائلات المفقودين، تقديراً لصمودهن، وتأكيداً على أن دعمهن جزء من حق العائلة في الحقيقة وبناء السلام المستدام.
وأكد جلخي أن “الحقيقة حق لكل عائلة”، وأن المسؤولية المشتركة تتمثل في تحويل التعاون الدولي إلى نتائج تحفظ كرامة المفقودين وتخفف معاناة عائلاتهم، وتقربهم من الحقيقة التي طال انتظارهم لها.
من جهته أشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إلى أهمية دور المجتمع الدولي في تقديم الخبرات لدعم مسار العدالة الانتقالية، مرحباً بالخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية لوضع أسس لمستقبل مسالم، مؤكداً أن السوريين يتطلعون إلى العدالة والمساءلة والشفافية.
بدورها لفتت الأمينة العامة المساعدة للأمم المتحدة ورئيسة المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا كارلا كينتانا إلى أن المعلومات المتعلقة بالمفقودين غالباً ما تكون مخفية أو متفرقة، مشددة على ضرورة بناء قدرات مستدامة وتعزيز الثقة بين المؤسسات الوطنية والأطراف الدولية لإنجاح عمليات البحث عن المفقودين.
وأكدت مندوبة الدنمارك أن الالتزام بالعدالة الانتقالية في سوريا يتيح فرصة حقيقية لإحراز تقدم في هذا الملف، فيما شددت مندوبة كولومبيا على أهمية الكشف عن مصير المختفين والمفقودين ضمن جهود تحقيق سلام مستدام.
وأشار عدد من المندوبين إلى أهمية الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية، ولا سيما إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والهيئة الوطنية للمفقودين، حيث رحبت اليونان ولاتفيا وبنما وتركيا والبرازيل بهذه الإجراءات، معتبرين أنها تمثل خطوة مهمة في معالجة تداعيات سنوات الحرب.
وشددوا على أن قضية المفقودين تمثل أولوية إنسانية، وعلى ضرورة إشراك الضحايا وأسرهم في جهود العدالة الانتقالية، مؤكدين أن توضيح مصير المفقودين يشكل أساساً لبناء الثقة وتحقيق المصالحة.
بدورهم، أكد مندوبو البحرين وباكستان والصومال أهمية أن تكون عملية العدالة الانتقالية بقيادة وملكية وطنية سورية، مع الاستفادة من دعم وخبرات الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بما يضمن مشاركة جميع مكونات المجتمع وتعزيز التماسك الاجتماعي.
وشدد مندوبا فرنسا والاتحاد الأوروبي على ضرورة تحقيق العدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم وضمان حقوق الضحايا، ودعيا إلى تعزيز التعاون مع الآليات الأممية ودعم جهود صياغة قانون للعدالة الانتقالية، بينما أكد مندوب الصين أن مسألة المفقودين تمثل جرحاً عميقاً يعاني منه الشعب السوري، مشدداً على ضرورة توحيد الجهود لمعالجة هذا الملف والتخفيف من معاناة الأسر، مع التأكيد على احترام سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، والحفاظ على الاستقرار المجتمعي خلال المرحلة الانتقالية.