من الطب إلى “جوب لينك”.. 3 سيدات سوريات قهرن الغربة وأبدعن بمجالات مختلفة

الأربعاء, 7 أكتوبر - 2026
الطبيبة السورية ايمان الخالد
الطبيبة السورية ايمان الخالد


على امتداد سنوات الغربة، لم تتوقف نساء سوريات عن بناء مساراتهن المهنية والعلمية بعيداً ‏عن بلدهن، فحوّلن تحديات اللغة والانتقال والبدء من جديد إلى فرص للتعلم والعمل والتميز.‏
وبين معلمة حققت جوائز تربوية في الإمارات، وطالبة طب تصدرت دفعتها في جامعة أنقرة، ‏ورائدة أعمال أسست مشروعاً لتمكين الشباب، تتشكل ثلاث قصص نجاح سورية في الاغتراب.‏
وبنهاية عام 2025، بلغ عدد اللاجئين السوريين حول العالم نحو 4.9 ملايين، وفق المفوضية ‏السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما عاد نحو 1.3 مليون سوري إلى بلادهم خلال العام ‏نفسه، وخلف هذه الأرقام تجارب فردية استطاعت تحويل ظروف الغربة إلى مسارات مهنية ‏وعلمية تركت أثراً في المجتمعات المضيفة، مع الحفاظ على صلة فاعلة بسوريا.‏
إيمان الخالد.. المركز الأول في الطب رغم تحديات اللغة والغربة
لم يكن حصول الطبيبة السورية إيمان الخالد على المركز الأول في كلية الطب بجامعة أنقرة ‏التركية مجرد إنجاز أكاديمي، بل محطة في مسار بدأته بعيداً عن بلدها، وسط تحديات الانتقال ‏إلى مجتمع جديد ودراسة تخصص طبي بلغة مختلفة.‏
غادرت إيمان سوريا بمفردها إلى تركيا قبل نحو ست سنوات، وواجهت تحديات الاعتماد على ‏النفس وتعلم لغة جديدة والتأقلم مع بيئة مختلفة، وتقول: إن دراسة الطب كانت تحدياً ‏مضاعفاً، لأنها لم تكن مطالبة بإتقان تخصص يحتاج إلى جهد كبير فحسب، بل بدراسته بلغة ‏جديدة أيضاً، وساعدها وجودها في مجتمع جامعي داعم على تجاوز الصعوبات.‏
وبالتوازي مع دراستها، شاركت في مبادرات بحثية دولية، وانضمت إلى تجمع “ميدكس” الذي ‏يضم طلاب الطب الناطقين بالعربية في تركيا، وتولت إدارة فريق أنقرة، وشاركت من خلاله في ‏مشاريع وفعاليات ركزت على تطوير الطلاب علمياً ومجتمعياً.‏
كما قدمت قبل التحرير دروساً لبعض الطلاب في الشمال السوري عبر الإنترنت، مؤكدة ‏استعدادها لمواصلة نقل خبراتها العلمية مستقبلاً.
وتقول: إن سنواتها في تركيا منحتها، إلى جانب الخبرة الطبية، مهارات في القيادة والتواصل وبناء ‏العلاقات مع أشخاص من ثقافات مختلفة، بما يجعل عودتها إلى سوريا مستقبلاً ذات قيمة ‏عملية.‏
وخلال تجربتها، لمست إيمان حضوراً لافتاً لطلاب سوريين استطاعوا، رغم خروجهم من البلاد في ‏ظروف صعبة وفي أعمار صغيرة، التأقلم مع مجتمعات جديدة وتحقيق نتائج متميزة.‏
سارية عائشة.. معلمة سورية تجعل الابتكار جزءاً من تجربتها
بدأت سارية عبد الرحمن عائشة مسارها المهني من الصفوف الدراسية في الإمارات، قبل أن ‏يتوسع إلى الابتكار والتدريب والمبادرات المجتمعية، انطلاقاً من قناعة بأن دور المعلم يمتد إلى ‏الطالب والأسرة والمجتمع.‏
وشكل حصولها على المركز الأول عن فئة “المعلم المبدع” ضمن جائزة خليفة التربوية محطة بارزة ‏في تجربتها، فيما تجاوز عدد المبادرات التعليمية والمجتمعية التي قادتها وشاركت فيها 60 مبادرة، ‏استفاد منها أكثر من 3 آلاف شخص.
كما حصلت على المركز الأول في جائزة الشارقة للتميز التربوي في دورتها الثلاثين، وجائزة المعلم ‏المتميز على مستوى منطقة الظفرة، والمركز الأول في جائزة “عون” ضمن فئة الفرق التطوعية ‏من خلال فريق “بصمة خير” الذي تولت قيادته.‏
وركزت عائشة على تطوير العلاقة مع الطلبة وأولياء الأمور، وتوظيف التكنولوجيا والتعلم ‏التعاوني، ومن أبرز مشاريعها “رادار الطلاقة القرائية” لدعم مهارات القراءة، ومنصتا “صدارة” ‏و”أكاديمية أثر” لتعليم اللغة العربية، ومبادرات “لوحة فخر” و”قمم رقمية” و”سفير الهوية ‏الوطنية” و”فخر العزة”، إلى جانب مبادرات مجتمعية نفذتها عبر فريق “بصمة خير”.‏
وامتد نشاطها إلى التأليف والتدريب، فألفت كتاب “تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم” ‏وقصة “عندما صمتت الشاشات”، وقدمت ورشات للمعلمين حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ‏وطرائق التدريس الحديثة والتعلم التعاوني والبحوث التربوية ومعايير التميز والمنصات التعليمية.‏
ومع توليها رئاسة لجنة التطوير المهني، أنشأت قناة تعليمية على “يوتيوب”، وشاركت في ملتقيات ‏ومؤتمرات تعليمية داخل الإمارات وعلى المستوى العربي والدولي، وحكّمت مسابقات على ‏مستوى الدولة ونشرت أبحاثاً تربوية، بينها بحث قدمته في المؤتمر الدولي للتعليم المفتوح ‏والمبتكر ‏ICOIE 2026‏ حول آراء المعلمين في دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم الابتدائي في ‏الإمارات، بالتوازي مع مواصلة دراستها في القيادة وإدارة التعلم الإلكتروني.‏
وتنظر عائشة إلى الجوائز بوصفها محطات لمواصلة التعلم وتوسيع دائرة التأثير، مؤكدة رغبتها ‏في نقل خبراتها إلى المعلمين والطلبة في سوريا، ولا سيما في التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي ‏والتطوير المهني، من خلال ورشات وبرامج تدريبية عن بُعد.‏
صفا الجاسم.. من ريادة الأعمال إلى تمكين الشباب السوري
بدأت صفا الجاسم مسيرتها المهنية في المجال الشبابي والطلابي من تركيا عام 2018، عندما ‏أسست مشروع “‏Unlimited Education‏”، المتخصص في مساعدة وتوجيه الطلاب العرب ‏الراغبين بالدراسة في تركيا، لتشكل التجربة بدايتها في إدارة المشاريع والعلاقات العامة.‏
وتوسعت تجربتها عبر العمل مع منظمات مجتمع مدني في تركيا وشمال غرب سوريا، والمشاركة في ‏إدارة فرق شبابية وتنفيذ مشاريع تنموية وإغاثية في سوريا وجنوب تركيا، إضافة إلى مشاريع ‏إغاثية في غزة.‏
ومع تراكم الخبرة، أسست في إسطنبول مشروع “جوب لينك”، كمنصة ومبادرة تنموية لتمكين ‏الشباب السوري والعربي وتدريبهم وتأهيلهم لدخول سوق العمل، مستفيدة من شبكة العلاقات ‏والخبرات التي بنتها خلال سنوات عملها.‏
وأسهم المشروع في اختيارها ضمن خمس سيدات سوريات رائدات أعمال في منطقة الشرق ‏الأوسط وشمال أفريقيا “‏MENA‏”، في إطار مشروع “‏CWIBL‏” المعني بتمكين النساء في مجال ‏الأعمال، والذي تضمن برنامجاً مكثفاً للتدريب والتوجيه على مستوى دولي، إلى جانب منحة ‏مالية لدعم المشاريع.‏
وبعد التحرير، انتقل نشاط “جوب لينك” إلى الداخل السوري، وتركز هدفه على سد الفجوة ‏بين مهارات الشباب واحتياجات سوق العمل، وخلق مساحات تربطهم بأصحاب القرار والجهات ‏العاملة في مختلف القطاعات.‏
وتقول الجاسم: إن “جوب لينك” وصل حتى الآن إلى آلاف الشباب من خلال التدريبات وورشات ‏العمل والملتقيات التخصصية، ومنها “تيك لينك” و”ميديا لينك”، بهدف تطوير المهارات المطلوبة ‏في سوق العمل وتشبيك الشباب مع فرص العمل.‏
ثلاث تجارب.. وهدف يتجاوز النجاح الشخصي
تختلف مسارات إيمان وسارية وصفا بين الطب والتعليم وريادة الأعمال، لكن تجاربهن تلتقي عند ‏تحويل الغربة من ظرف صعب إلى مساحة لبناء المعرفة والخبرة وتحقيق الإنجاز.‏
ولا تتوقف قيمة هذه التجارب عند النجاح الشخصي، إذ تحمل صاحباتها رغبة في إعادة ‏توظيف ما اكتسبنه في الخارج لخدمة المجتمع السوري، سواء عبر التعليم والتدريب، أو نقل ‏الخبرات الطبية والعلمية، أو توفير فرص للشباب وربطهم بسوق العمل.‏
وتكشف قصصهن جانباً آخر من تجربة السوريين في الغربة، لا تختزلها أرقام اللجوء والهجرة، ‏بل تظهر طاقات استطاعت بناء مكان لها في مجتمعات جديدة، مع الاحتفاظ برغبة في أن يكون ‏لما حققته أثر في سوريا.‏