عمّال قِطاف القطن… رحلة الجِباه السُمر مع ذهب الرقة الأبيض

الأربعاء, 7 أكتوبر - 2026
مزارعون يجنون القطن السوري
مزارعون يجنون القطن السوري


بين صفوف القطن في ريف الرقة الشمالي، تبدأ “اللاگوطة” (عاملة في جمع ‏القطن) رحلتها مع أول خيوط الفجر، حاملةً أكياسها المجهزة لقِطاف “ذهب ‏الرقة الأبيض“، لتخوض “السروة” (يوم العمل الطويل الممتد حتى المساء)، ‏في موسمٍ يمتد نحو شهرين بحثاً عن مورد رزق يعينها على إعالة أسرتها.
من دير الزور إلى الرقة … لقمة العيش بين الحقول
‏”لا أعرف عملاً غير قِطاف القطن… فمنذ كنت طفلة استيقظ وعيي على ‏العمل في الأراضي الزراعية”، تقول فاطمة الناصر عاملة القطن أو ما يُعرف ‏محلياً بـ “اللاگوطة”، ذات الأربعين ربيعاً في حديثها لـ سانا، وهي تقف بين ‏صفوف القطن في قرية عين العروس بالرقة، مستعيدةً حكاية مهنة رافقتها ‏منذ طفولتها، وباتت اليوم تأتي من دير الزور برفقة أطفالها الأربعة الأيتام، ‏ليتحول العمل إلى مصدر رزقها الوحيد.
تبدأ رحلة فاطمة كل موسم لمدة شهرين، حيث تنصب خيمتها في الحقول منذ ‏الساعات الأولى للفجر حتى المساء، تجمع القطن بيديها أملاً في دخلٍ ‏يساعدها على تأمين احتياجات أطفالها، لكنها تقول: إن ما تحصل عليه بالكاد ‏يغطي أساسيات المعيشة، وهو 70 دولاراً على الطن الواحد، ما يضطرها ‏لاقتراض 100 دولار لباقي ضروريات الحياة.
صراعٌ يومي مع ظروف قِطافٍ قاسية
قصة فاطمة هي نموذج لبقية الأسر التي تقيم في خيامٍ مؤقتة لا تتوافر فيها ‏حماية كافية من ظروف الموسم؛ فالشمس والرياح والمطر ترافق العمال ‏خارج الحقول وداخلها، فيما تعرض عددٌ منهم للإعياء خلال موجة الحر ‏الشديدة الأخيرة، ونُقلت إحدى العاملات إلى الإسعاف بعد تعرضها لحالةٍ ‏صحية استدعت العلاج الطبي.
يصف المزارع خليل الحمود القادم من ريف الرقة الشمالي إلى عين ‏العروس أيضاً هذا الوضع الشاق، ويقول: إن طبيعة العمل تغيرت وأصبح ‏قطاف القطن أكثر مشقةً مقارنةً بما كان عليه في السابق، الأمر الذي دفع ‏بعض العمال إلى تركه والعمل بمجالٍ آخر.
وأوضح شاويش العمال، عبد الله الابراهيم، أن نحو 90 بالمئة من العمال ‏الموجودين في المنطقة يأتون من دير الزور، بشكل عائلاتٍ كاملة خلال ‏موسم القطاف، وتمضي قرابة شهرين قبل العودة لمنازلها، رغم ظروف ‏العمل التي لم تعد تتناسب مع الأجر، في ظل ارتفاع تكاليف إنتاج القطن، ‏وتراجع العائدات مقارنةً بحجم الجهد الذي يبذله العمال والمزارعون.
أما تنظيم العمال فيكون، حسب الإبراهيم، ضمن وِرشات تُوزع على ‏المزارعين حسب مساحة الأراضي وحاجتها إلى العمال، فيما يتم قِطاف ‏المحصول على مرحلتين، تُعرفان محلياً بـ” الوجه الأول” و”الوجه الثاني”، ‏مع توحيد أجور العمال القادمين من خارج المحافظة مع أبناء المنطقة.
ضغوط المعيشة تغيّر ملامح موسم القطن
ومع طول ساعات العمل وتراجع العائد، تغيرت ملامح الموسم أيضاً، ‏فالأغاني التي كانت ترافق العاملات في الحقول، وأجواء الفرح التي كانت ‏تميز موسم القطاف، تراجعت أمام ضغوط المعيشة، ولم يعد العامل ينظر إلى ‏ما يجمعه بوصفه محصولاً وفيراً فحسب، بل يحسبُ ما يمكن أن يوفره له ‏ولأسرته بعد انتهاء الموسم.
وبينما تتهيأ فاطمة ليومٍ جديد، لا تفكر كثيراً في شكل الموسم أو ما كان عليه ‏في الماضي … إذ كل ما يشغلها بأن يكفي ما تجمعه هذه المرة حاجات ‏أطفالها، وأن تعود إلى منزلها وفي يدها ما يسندهم إلى أن يحين موسم قطافٍ ‏جديد.

الوسوم :