بين صفوف القطن في ريف الرقة الشمالي، تبدأ “اللاگوطة” (عاملة في جمع القطن) رحلتها مع أول خيوط الفجر، حاملةً أكياسها المجهزة لقِطاف “ذهب الرقة الأبيض“، لتخوض “السروة” (يوم العمل الطويل الممتد حتى المساء)، في موسمٍ يمتد نحو شهرين بحثاً عن مورد رزق يعينها على إعالة أسرتها.
من دير الزور إلى الرقة … لقمة العيش بين الحقول
”لا أعرف عملاً غير قِطاف القطن… فمنذ كنت طفلة استيقظ وعيي على العمل في الأراضي الزراعية”، تقول فاطمة الناصر عاملة القطن أو ما يُعرف محلياً بـ “اللاگوطة”، ذات الأربعين ربيعاً في حديثها لـ سانا، وهي تقف بين صفوف القطن في قرية عين العروس بالرقة، مستعيدةً حكاية مهنة رافقتها منذ طفولتها، وباتت اليوم تأتي من دير الزور برفقة أطفالها الأربعة الأيتام، ليتحول العمل إلى مصدر رزقها الوحيد.
تبدأ رحلة فاطمة كل موسم لمدة شهرين، حيث تنصب خيمتها في الحقول منذ الساعات الأولى للفجر حتى المساء، تجمع القطن بيديها أملاً في دخلٍ يساعدها على تأمين احتياجات أطفالها، لكنها تقول: إن ما تحصل عليه بالكاد يغطي أساسيات المعيشة، وهو 70 دولاراً على الطن الواحد، ما يضطرها لاقتراض 100 دولار لباقي ضروريات الحياة.
صراعٌ يومي مع ظروف قِطافٍ قاسية
قصة فاطمة هي نموذج لبقية الأسر التي تقيم في خيامٍ مؤقتة لا تتوافر فيها حماية كافية من ظروف الموسم؛ فالشمس والرياح والمطر ترافق العمال خارج الحقول وداخلها، فيما تعرض عددٌ منهم للإعياء خلال موجة الحر الشديدة الأخيرة، ونُقلت إحدى العاملات إلى الإسعاف بعد تعرضها لحالةٍ صحية استدعت العلاج الطبي.
يصف المزارع خليل الحمود القادم من ريف الرقة الشمالي إلى عين العروس أيضاً هذا الوضع الشاق، ويقول: إن طبيعة العمل تغيرت وأصبح قطاف القطن أكثر مشقةً مقارنةً بما كان عليه في السابق، الأمر الذي دفع بعض العمال إلى تركه والعمل بمجالٍ آخر.
وأوضح شاويش العمال، عبد الله الابراهيم، أن نحو 90 بالمئة من العمال الموجودين في المنطقة يأتون من دير الزور، بشكل عائلاتٍ كاملة خلال موسم القطاف، وتمضي قرابة شهرين قبل العودة لمنازلها، رغم ظروف العمل التي لم تعد تتناسب مع الأجر، في ظل ارتفاع تكاليف إنتاج القطن، وتراجع العائدات مقارنةً بحجم الجهد الذي يبذله العمال والمزارعون.
أما تنظيم العمال فيكون، حسب الإبراهيم، ضمن وِرشات تُوزع على المزارعين حسب مساحة الأراضي وحاجتها إلى العمال، فيما يتم قِطاف المحصول على مرحلتين، تُعرفان محلياً بـ” الوجه الأول” و”الوجه الثاني”، مع توحيد أجور العمال القادمين من خارج المحافظة مع أبناء المنطقة.
ضغوط المعيشة تغيّر ملامح موسم القطن
ومع طول ساعات العمل وتراجع العائد، تغيرت ملامح الموسم أيضاً، فالأغاني التي كانت ترافق العاملات في الحقول، وأجواء الفرح التي كانت تميز موسم القطاف، تراجعت أمام ضغوط المعيشة، ولم يعد العامل ينظر إلى ما يجمعه بوصفه محصولاً وفيراً فحسب، بل يحسبُ ما يمكن أن يوفره له ولأسرته بعد انتهاء الموسم.
وبينما تتهيأ فاطمة ليومٍ جديد، لا تفكر كثيراً في شكل الموسم أو ما كان عليه في الماضي … إذ كل ما يشغلها بأن يكفي ما تجمعه هذه المرة حاجات أطفالها، وأن تعود إلى منزلها وفي يدها ما يسندهم إلى أن يحين موسم قطافٍ جديد.