قدمت الفرقة الموسيقية السمفونية السوري مساء الخميس، في دار الأوبرا بدمشق سبعين دقيقة من الشغف الموسيقي بقيادة المايسترو ناهل الحلبي حملت الحضور إلى عوالم من الجمال والتعبير الإنساني العميق عبر تسعة أعمال أوركسترالية متميزة تترجم الهوية الثقافية السورية وتنوعها الغني.
إبحار في التراث الموسيقي الكلاسيكي
استهلت الأوركسترا برنامجها بعزف “الافتتاحية العربية للأوركسترا بسلم دو الكبير” التي ألّفها الموسيقار الراحل صلحي الوادي عام 1987، بوصفه أحد أبرز رواد الموسيقا الكلاسيكية السورية، تلاها تقديم قطعة “القافلة عند الفجر” للمؤلف الموسيقي السوري نوري الرحيباني، المستوحاة بطابعها اللحني العربي المتداخل مع الأوركسترالية الكلاسيكية من تاريخ المدن الأثرية السورية وذاكرتها الحضارية.
كما قدمت الفرقة عمل “أنا هذا الخريف” للمؤلف الموسيقي السوري نوري إسكندر، مجسدة حواراً شجياً بين الآلات الوترية والنفخية وظّف المقامات الشرقية والإرث اللحني والإنشاد الديني ضمن الكتابة السيمفونية.
أغنى الأمسيةَ العزفُ المنفرد (الصولو) الذي منح مساحة رحبة لحضور الآلات الشرقية، حيث قدم الموسيقي محمد عثمان على آلة البزق قطعة من تأليفه بعنوان “العرس”، مصوراً طقوس الفرح القروي، تلاه العازف كنان أدناوي بتقديم رقصة “حب” على آلة العود، دامجاً الألوان الأوركسترالية بالروح الشرقية، لتصدح جنبات المسرح بعدها بنغمات آلة القانون مع قطعة “رياح” للمؤلف يامن جذبة.
وامتزج النغم الشجي لآلة الناي بالغناء في عمل “نبض القلب” للمؤلف وعازف الناي محمد فتيان بمرافقة الغناء المنفرد للمغنية مايا زين الدين، قبل أن يختتم هذا المحور بعمل “مزيج سوري” الذي أعد كلماته الموسيقي آري جان سرحان، مؤدياً إياه عزفاً على البزق وغناء ترافقه المغنية سارة درويش، ليجمع إيقاعات ولغات متعددة من الذاكرة السورية.
وفي لفتة وجدانية، وقف الحضور والفرقة دقيقة صمت إجلالاً وإكراماً لأرواح شهداء الثورة السورية، حيث وجّه المايسترو ناهل الحلبي تحية إكبار لعائلات الشهداء والمفقودين، ليختتم الحفل بمقتطفات من “طقوس سورية” قدمها كورال غاردينيا بالاشتراك مع كورال المعهد العالي للموسيقا.
الفن صون للنسيج الوطني والتعددية
أشار وزير الثقافة محمد ياسين الصالح لـ سانا، إلى أن الأمسية شكلت مناسبة استثنائية جمعت بين جيلين من المبدعين السوريين، جيل الرواد الشاهدين بعبقريتهم على المشهد الفني، وجيل الشباب الذي يحمل راية الإبداع ويُعوّل عليه في صياغة مستقبل الثقافة، مؤكداً أن المقطوعات المعزوفة عبرت بصدق عن تجارب ومشاعر حية عاشها السوريون على امتداد السنوات الماضية.
ونوّه الصالح بالأهمية الرمزية الكبيرة لعودة المايسترو ناهل الحلبي إلى خشبة دار الأوبرا بدمشق بعد سنوات من الغياب والملاحقة والضغوط التي تلت موقفه التاريخي الشجاع عام 2011 حين دعا الجمهور للوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء الثورة السورية، معتبراً أن عودته اليوم هي تكريم للفن السوري الأصيل وقيمه الحرّة، وتأكيد على دور دار الأوبرا بوصفها مؤسسة ثقافية وطنية جامعة تعكس الهوية الحقيقية والتنوع الحضاري للسوريين.
وأكد الوزير حرص وزارة الثقافة على ترسيخ قيم التعددية والتنوع وصون النسيج الوطني بمختلف مكوناته وأعراقه وطوائفه، لافتاً إلى أن قوة سوريا الحقيقية تكمن في قدرتها على احتضان جميع أبنائها وتوفير فضاء مفتوح للمبادرات والطاقات الشابة للمشاركة الفاعلة في الحياة الثقافية.