في ظلال سنوات الجفاف الطويلة، بدا نهر الفرات وكأنه قد استسلم. تراجعت مياهه، انكشفت ضفافه، وتحول السرير المنخفض إلى أرضٍ يانعة خضراء في مواسم الربيع. رأى فيها البعض فرصةً ذهبية: أرضٌ خصبة بلا تكلفة، مياهٌ مجانية، ومساحاتٌ شاسعة بانتظار من يزرعها. غير أن هذه الصورة المغرية كانت وهمًا مؤقتًا، والطبيعة التي يُظن أنها رحيمة لا تتسامح مع من يتجاوز حدودها.
اليوم، وبحسب بيانات فنية حديثة صادرة عن وزارة الري والموارد المائية في سوريا في أواخر أكتوبر 2026، تجاوزت بحيرة سد الفرات نسبة امتلائها 95%. أما بحيرة سد أتاتورك في الأراضي التركية فقد بلغت أكثر من 90% وفق التقارير الفنية المتداولة في الفترة نفسها. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات باردة، بل هي إنذار مبكر بكارثة محتملة إذا ما هطلت أمطار غزيرة هذا الشتاء، مما قد يضطر السلطات التركية والسورية إلى فتح بوابات المفيض لحماية السدود من الانهيار.
جغرافيا الخطر: ثلاث بؤر تنتظر الشرارة
تتجلى الأزمة بأوضح صورها في ثلاث محافظات سورية تقع على مجرى النهر مباشرة، كلٌّ منها تحمل خصوصيتها في مواجهة الفيضانات المحتملة.
دير الزور: مثلث الموت المائي
تُعد محافظة دير الزور الأكثر عرضة للفيضانات نظرًا لتضاريسها المنخفضة وقربها المباشر من السدود. جزيرة حويجة صقر، الواقعة وسط مجرى النهر، تتحول خلال الفيضانات إلى فخٍّ معزول تحاصر فيه المياه من يتواجد فيها.
في ريف الميادين والحوايج تغرق الخطوط الترابية والجسور البسيطة تمامًا. ينقطع الاتصال بين القرى المنخفضة وتتحول إلى جزرٍ منعزلة. أما كورنيش مدينة دير الزور والبلدات الممتدة على ضفاف النهر في الجزيرة والشامية، فقد باتت البيوت فيها على مسافة صفر من خطر الفيضان.
الرقة: الخاصرة الهشة للمخيمات
تقع محافظة الرقة في مواجهة مباشرة مع مسارات تفريغ سد الفرات. تتركز المخاطر في المخيمات العشوائية المقامة على الضفاف، وعلى رأسها مخيم سهلة البنات ومخيم اليوناني ومخيم المقص.
هذه التجمعات تؤوي آلاف العائلات النازحة وتقع في المناطق المنخفضة التي تبتلعها المياه أولًا. كما تشهد ضفاف الطبقة والمنصورة ارتفاعًا موجيًا مفاجئًا وخطيرًا كلما فُتحت بوابات السد.
جرابلس: بوابة الطوفان الأولى
تُشكّل مدينة جرابلس نقطة الدخول الأولى للنهر من تركيا إلى سوريا. تتلقى الصدمة المائية بعنفٍ فور فتح السدود التركية لبواباتها. وقد شهدت المدينة في السنوات الماضية موجات فيضان مفاجئة أدت إلى أضرار مادية كبيرة في الأراضي الزراعية والمنشآت القريبة من النهر.
جدول (1): بؤر الخطر الرئيسية على ضفاف الفرات
المحافظة البؤرة الخطرة طبيعة الخطر
دير الزور حويجة صقر، الميادين، كورنيش المدينة عزل تام، غرق الجسور، مسافة صفر من الخطر
الرقة مخيمات سهلة البنات واليوناني والمقص، الطبقة، المنصورة ابتلاع فوري للمخيمات، ارتفاع موجي مفاجئ
جرابلس الضفاف المنخفضة عند نقطة الدخول صدمة مائية أولى، أضرار مادية مباشرة
لماذا الآن؟ أزمة معيشية قبل أن تكون بيئية
لا يمكن فهم ظاهرة الإشغال المؤقت لأراضي حرم النهر والاستيطان الزراعي أو السكاني المؤقت في السرير النهري دون النظر إلى السياق الاقتصادي والاجتماعي الذي دفع آلاف العائلات إلى المجازفة بأرواحها. ففي ظل غياب فرص العمل وارتفاع الأسعار وشحّ الأراضي الزراعية الآمنة، وجد كثيرون في الأرض المنخفضة ملاذًا اضطراريًا للزراعة أو السكن.
غير أن هذا المنطق، وإن كان مفهومًا إنسانيًا، يظل قصير النظر. فالأرض التي تبدو خصبة في موسم الجفاف تتحول إلى مصيدة قاتلة في موسم الأمطار. والمحاصيل التي زُرعت في السرير المنخفض ستُجرف مع أول موجة فيضان، لتتحول الخسارة من مجرد احتمال إلى واقعٍ محقق.
ما العمل؟ حلول عملية على أكثر من مستوى
مواجهة هذا الخطر تتطلب تدخلًا عاجلًا على مستويات متعددة، يجمع بين الإجراءات الفورية والحلول البنيوية.
أولًا: الإخلاء الفوري والتوعية المكثفة
على السلطات المحلية والجهات الإدارية المعنية في كل منطقة (دير الزور والرقة وجرابلس)، بالتعاون مع المجالس المحلية ومنظمات الإغاثة الإنسانية الدولية والمحلية، أن تبادر فورًا إلى إخلاء المناطق المنخفضة وحرم النهر. ويجب أن ترافق هذه العملية حملات توعية مكثفة توضح للسكان مخاطر البقاء في تلك المناطق، وتقدم لهم بدائل سكنية وزراعية آمنة.
ثانيًا: التخطيط العمراني البديل
لا يمكن الاكتفاء بالإخلاء المؤقت ما دامت الأسباب التي دفعت الناس إلى الإشغال المؤقت لأراضي حرم النهر قائمة. لذا، يجب على الجهات المختصة توفير أراضٍ بديلة للسكن والزراعة في مناطق آمنة، مع تقديم تسهيلات للمزارعين والعائلات النازحة. كما يجب تنظيم العمران على ضفاف النهر بما يضمن حرمًا آمنًا لا تقل مسافته عن 200 متر، وفق المعايير الدولية.
ثالثًا: إدارة موارد المياه بشكل مستدام
تتطلب الأزمة الحالية مراجعة شاملة لسياسات إدارة المياه في حوض الفرات، بما يضمن التنسيق بين الدول المتشاطئة وتحسين البنية التحتية للري والصرف. فالاستغلال الأمثل للمياه يقلل من مخاطر الفيضانات ويحسن كفاءة الري في الوقت ذاته.
رابعًا: الاستثمار في الزراعة الآمنة
بدلًا من الاعتماد على الأراضي المنخفضة الخطرة، يمكن توجيه الاستثمارات نحو تحسين خصوبة الأراضي البديلة وتطوير تقنيات الري الحديثة التي ترفع الإنتاجية دون المجازفة بالأرواح. فالأمن الغذائي الحقيقي يُبنى على أسس مستدامة، لا على أراضٍ قد تتحول إلى بحرٍ من الطين في أي لحظة.
ختام: الطبيعة لا تنتظر... والسياسات أيضًا
إن نهر الفرات، الذي شكل شريان الحياة لحضاراتٍ عريقة، يقف اليوم على مفترق طرق. والعائلات التي لجأت إلى ضفافه تحت وطأة الحاجة والفقر والتهجير ليست مسؤولة وحدها عن هذا الخطر. فالمسؤولية تقع أيضًا — وبشكل أساسي — على السياسات التي تركت آلاف الأسر بلا خيارات آمنة، وعلى الإدارات التي تأخرت في توفير بدائل حقيقية للسكن والزراعة.
الأرقام واضحة، والتحذيرات صريحة. والفرصة ما زالت متاحة لتفادي الكارثة، لكنها لن تبقى مفتوحة إلى الأبد. فالطبيعة لا تنتظر إخلاءنا، ولا تراجعنا، ولا اعتذارنا. والسياسات أيضًا لا يجوز أن تنتظر حتى تغمر المياه المخيمات والأراضي وتبتلع ما تبقى من أمل.
حماية الناس من الفيضان تبدأ بحمايتهم من الفقر والتهجير والحرمان من الخيارات. وهذا واجب مشترك لا يحتمل التأجيل