السباك "الطيار"

رئيس وزراء دولة الاحتلال يستقبل السباك "الطيار"
رئيس وزراء دولة الاحتلال يستقبل السباك "الطيار"


فلاي دبي، سباك "طيار" أنقذ الطائرة، طيار هندي مصاب، مساعد طيار عماني/ سوري اعتدى عليه، "عملية إرهابية"، كانت فوق الأردن، حطت في تبوك، انخفضت فجأة، ضربه بسكين، لا لا ضربه بفأس، صدفة كان هناك طياران بالخلف سيطرا على الطائرة، مجرم الحرب نتنياهو يستقبل السباك "البطل"، لعبة انتخابية، تحقيقات جارية في إسرائيل، تحقيقات جارية في الإمارات، نتنياهو يتصل بترامب وترامب يهزأ من نتنياهو ويتهم إيران، تحقيقات تؤكد مساعد الطيار همام الهماني تصرف بمفرده، عملية إرهابية، وجدت صورة أيمن الظواهري في جواله..
كل هذا جاء في وقت واحد كمسرحية تصلح لعرض هولوودي فاشل، مسرحية مفضوحة الأركان، أثارت ضجة إعلامية عالمية، وتناولتها وسائل الإعلام الغربية بكثافة، وعادت إلى اسطوانتها المشروخة، الإسلام المتطرف، الإرهاب ضد الدولة العبرية..وفجأة صمت الجميع عدا اخبار قصيرة تتحدث عن تحقيقات هنا وهناك ولا أحد ذكر لماذا لم يستنطق الصندوق الأسود ليفصح عما جرى، وكأن شهرزاد داهمها الصباح فسكتت عن الكلام المباح. وحدها وسائل التواصل الاجتماعي فجرت حقائق فاقعة ولا يزال الحبل على الجرار. خبراء طيران محترفون أكدوا أن هذه الطائرة من الصعب جدا حتى على طيارين آخرين غير متدربين على هذا الطراز أن يستطيعوا السيطرة عليها فكيف لهذا السباك الذي تلقن دروسه من مشاهدات تلفزيونية لأحداث مشابهة أن يسيطر على الطائرة، وكيف دخلت السكين أو الفأس إلى قمرة القيادة، الأسئلة المشككة بهذه العملية كثيرة، لماذا جاءت هذه العملية بهذا التوقيت واستبقها نتنياهو بالقول أن هناك عملية تتحضر ضد إسرائيل، وخاصة أنها جاءت بعد زيارة هذا الأخير إلى الامارات التقى خلالها رئيس الامارات الشيخ محمد بن زايد. الرواية الإسرائيلية فيها "إن" ولا تخلو من تناقضات صارخة. أحد خبراء الطيران قال: إذا هوت الطائرة وانخفضت بهذه السرعة فإن الطيارين المتشاجرين سيلتصقان بسقف القمرة، وأن باب القمرة يصعب فتحه من الخارج، ويصعب على الطيار المضروب بسكين أو بفأس أن يفتحه لأنه مجهز برقم سري من عدة أرقام، فإذا حاول فتحه فصاحب الفأس الذي وحسب الرواية كان مصرا على قتله سيستغل الفرصة ليضرب الفأس بالرأس. لكابتن الطيار الأردني يوسف الهملان ظهر جريئا كعادته، وهو يقدم لقناة «العربية» شرحا مفصلا مضمونه الملخص «سيناريو السباك الإسرائيلي واقتحام المقر والصعود بالطائرة مستحيل فنيا
نتنياهو ذاته الحاصل على بطولة العالم في الكذب، سأله مذيع «فوكس نيوز»: هل إيران وراء العملية؟ فأجاب «من المبكر الحكم»، فيما يسارع رئيس أكبر دولة في العالم للقول «يبدو أن إيران وراء الحادثة».
نتنياهو ذاته الحاصل على بطولة العالم في الكذب، سأله مذيع «فوكس نيوز»: هل إيران وراء العملية؟ فأجاب «من المبكر الحكم»
على كل، ومهما يكن من أمر فلاي دبي والمسرحية الهزلية، فأنا أتساءل كيف لهذه الحادثة المشكوك بأمرها أن تحظى بهذا الاهتمام الواسع في وسائل الإعلام فقط لأنها متعلقة بإسرائيل، في الوقت الذي تستمر فيه إسرائيل بإبادتها للفلسطينيين في غزة، والمستوطنون يسرقون أراضي الفلسطينيين، ويدمرون مزارعهم ويجرفون زيتونهم، ويسرقون مواشهيم، ودولة الاحتلال تدمر وتهجر وتقتل اللبنانيين في جنوب لبنان، وتتوغل في الأراضي السورية
وتعتقل السوريين وتقتل منهم أفرادا بحجج مختلفة وتقصف القرى وتستكمل خط سوفا 53 المار بأراضي سورية وكل هذا أمام مرأى الجميع، فلا أحد يدين، ولا أحد يتكلم، وكأن كل أعمال القتل اليومية في غزة والانتهاكات الجسيمة في لبنان وسوريا هو أمر لا يستحق الذكر، أو الإدانة.
وكتبت الزميلة ميساء الشيخ حسين
تقول:
هبوط الطائرة.. وصعود الشماعة
ميساء الشيخ حسين
في عالم الإعلام الحديث، لم يعد سقوط الطائرات أو كوارث الطيران مجرد مسألة خلل فني أو خطأ بشري تتولاه لجان التحقيق الدولية؛ بل أصبح، بفضل "العبقرية" التحليلية المعاصرة، تمرينًا ممتعًا في البحث في شجرة العائلات وسجلات النفوس.
فما إن يتسرب خبر يشير إلى أن والدة مسؤول، أو شقيق جارة مساعد طيار، مرّ يومًا من القرب الجغرافي لبلد ما، حتى تتحول الكارثة فورًا من حادث تقني إلى "مؤامرة عابرة للحدود". وكأن التحليق في السماء بات يتطلب، بجانب شهادة الطيران، شهادة خلوّ نسب من أي بقعة جغرافية تُثير حفيظة المتابعين خلف الشاشات.
أمام هذا التدفق غير المسبوق من "الهندسة العكسية للهويات"، تجد الجهات المعنية نفسها في مواجهة نوع جديد من إدارة الأزمات: كيف تشرح للرأي العام أن الجاذبية الأرضية والخلل الفني لا يتعرفان على الأصول العائلية؟ وكيف تقنع التحليلات المتدفقة عبر منصات التواصل بأن الانتماء إلى رقعة ما ليس جرمًا جنائيًا ولا خطة مسبقة؟
يبدو أن العالم بات يحتاج، إلى جانب الصناديق السوداء التي تفكك شفرات اللحظات الأخيرة للرحلات، إلى "صناديق بيضاء" تفكك شفرات المخيلة الإعلامية التي لا تكتمل لديها أي رواية إلا إذا عُثر فيها على شماعة جغرافية جاهزة.