تُعدّ "تكريزة رمضان" من العادات الدمشقية المتوارثة التي ارتبطت بالاستعداد الروحي والاجتماعي لاستقبال شهر الصوم. وهي نزهة جماعية تُقام في الأسبوع الأخير من شهر شعبان، تحمل معنى الوداع لأيام الإفطار الطويلة، وتمهّد للدخول في زمن مختلف إيقاعه العبادة والانضباط.
أصل التسمية ودلالتها
تباينت الآراء حول معنى كلمة “تكريزة”. فبعض المصادر ترى أنها تعني الوداع، وهو تفسير ينسجم مع جوهر المناسبة بوصفها توديعة لشهر شعبان واستقبالاً لرمضان. بينما يربطها آخرون بكلمة “الكَزدورة” الشامية التي تعني النزهة القصيرة. غير أن الرأي الأول يبدو أقرب، إذ إن التكريزة تقليد يمتد لساعات طويلة، وأحياناً لمسافات بعيدة، ويحمل في طيّاته معنى الانتقال من حالٍ إلى حال.
المكان… الغوطة والربوة
كانت وجهة التكريزة تقليدياً إلى بساتين غوطة دمشق وضفاف نهر بردى، لا سيما منطقة الربوة. هناك، كانت العائلات تفترش البُسُط، ويبدأ نهار طويل من الطهي واللعب والغناء. الأطفال ينشغلون بالركض بين الأشجار، والنساء يُعدِدن أطعمة لا يُفضَّل تناولها في رمضان بسبب العطش، مثل المسبّحة والفول والحمص والمجدّرة والمقالي والمشاوي. أما الرجال فيجتمعون حول طاولة الزهر وورق اللعب والمنقلة، وتتخلل اليوم عروض شعبية كالسيف والترس والعراضة الشامية. وفي بعض المواقع التراثية بدمشق، كانت تُستعاد أجواء الحكواتي وصندوق الفرجة والمسحراتي، في مشهد يجمع بين الترفيه واستحضار الذاكرة الجمعية.
تكريزة تتجاوز الطبقات الاجتماعية
لم تكن التكريزة حكراً على فئة اجتماعية بعينها؛ فقد مارستها العائلات الميسورة كما البسيطة. كانت المدينة نفسها أقرب إلى بستان مفتوح، حيث تتداخل الأحياء مع الطبيعة، فلا يكون المكان مقصوداً بحد ذاته بقدر ما تكون المشاركة هي الأساس.
في أحياء مثل دمشق القديمة، مروراً بـسوق البزورية وسوق الحميدية، كان التحضير لرمضان يأخذ أشكالاً متعددة؛ بين من يرى أن الاستعداد يكون بتأمين المؤن والمشروبات الرمضانية، ومن يعتبر أن التكريزة هي المدخل الحقيقي للشهر.
في الذاكرة الشعبية
ارتبطت التكريزة بثقافة “السيرانة” الدمشقية التي وثّقتها الدراما السورية، ومنها مسلسل حمام الهنا، حيث أدّى رفيق سبيعي شخصية “أبو صياح”، وردّد أغنية “صفّر صفّر يا بابور وخدنا عالزبداني”، في إشارة إلى رحلات القطار نحو المصايف كبقين وبلودان. تلك الصورة الفنية رسّخت في الوعي الجمعي فكرة الخروج الجماعي إلى الطبيعة قبل المناسبات.
تحوّلات ما بعد الحرب
تراجعت هذه العادة تدريجياً بعد عام 2011، نتيجة عوامل متداخلة: الحزن على الضحايا والمعتقلين، الهجرة، التدهور الاقتصادي، وفقدان الأمان. كما أن مناطق واسعة من الغوطة تعرضت للحصار والقصف والدمار، ما جعل الوصول إلى الأماكن التقليدية للسيران أمراً صعباً أو مستحيلاً. إلى جانب ذلك، واجهت بعض المظاهر التراثية موجة سخرية أو تهميش في ظل تغير أنماط الحياة، ما أسهم في انحسار حضور التكريزة بصورتها الأصيلة.
رغم ذلك، لا تزال التكريزة حاضرة بأشكال مختلفة. فقد انتقلت من أحضان البساتين إلى المنتزهات العامة والمطاعم، واختُزلت أحياناً في لقاء عائلي أو تجمع أصدقاء. كما تسعى بعض المبادرات التراثية في دمشق إلى إحياء الطقس بصيغته التقليدية، عبر إعادة عناصر الحكواتي والعراضة والجلوس على البُسُط في الهواء الطلق.
وتبقى تكريزة رمضان ممارسة اجتماعية تختصر علاقة الدمشقيين بالمكان والزمان. إنها طقس عبور بين مرحلتين من العام، يحمل معنى الوداع والاستعداد، ويجمع بين الطعام والفرح والذاكرة. وبينما تغيّرت الظروف والأمكنة، بقيت الفكرة الأساسية قائمة: أن يُستقبل رمضان بجماعةٍ متآلفة، وبقلبٍ مهيأ.